المبحث الثالث
مدى خضوع غير المسلمين للقضاء في العصر الحاضر
تلكم هي أقوال الفقهاء ومذاهبهم، أما ما عليه العمل في العصر الحاضر من حيث مدى خضوع غير المسلمين للقضاء الإسلامي، ومن حيث القانون الواجب التطبيق عليهم؛ فيمكن أن نعود فيه إلى أواخر عهد الدولة العثمانية، ثم نضرب بعض الأمثلة على ذلك من قوانين أو أنظمة بعض البلاد الأخرى من الدول العربية.
أ ـ أما الدولة العثمانية: فقد كان رعاياها مؤلفين من أقوام مختلفين في العنصر والدين والمذهب، كما هو الحال في الدولة الإسلامية منذ عصورها الأولى، فنشأت في الدولة الإسلامية مسألة الأقليات غير المسلمة ومسألة الأجانب. والأجانب بالتعبير المعاصر يعني من لا يحمل جنسية الدولة أو رعويتها، وهو يقابل المستأمن في الفقه الإسلامي.
فالأقليات غير المسلمة كانت تتمتع في مسائل الأحوال الشخصية بامتيازات قضائية، وفقًا للمبدأ الإسلامي في التسامح مع أهل الذمة وعدم الإكراه في الدين. وتأيدت هذه الامتيازات بعهود ومعاهدات لاحقة عديدة. وكذلك كان الأجانب يتمتعون بامتيازات خاصة منذ القديم، وكانت تتجدد في بدء كل خلافة بمعاهدات متتابعة متشابهة.