الصفحة 22 من 56

ومما تقدم آنفًا في عرض مذاهب الفقهاء وأقوالهم، نخلص إلى اتفاقهم على أن القاضي المسلم لا يجوز أن يحكم بغير شريعة الإسلام، سواء كان الحكم بين المسلمين، أو بين المسلمين وغير المسلمين، أو كان بين غير المسلمين من أهل الذمة أو المستأمنين الذين يسمَّون في الأنظمة المعاصرة بالأجانب. أي سواء كان أطراف القضية من المسلمين، أو كان أحد طرفيها مسلمًا و الطرف الآخر غير مسلم، أو كان الطرفان غير مسلمين. و ذلك لأن غير المسلمين لما ترافع أحدهم إلى القاضي المسلم فقد رضي بحكم الإسلام، فيلزم إجراء حكم الإسلام في حقه. وأما بالنسبة للقاضي المسلم فإنه لا يجوز أن يحكم بغير أحكام الإسلام، لأنه مخاطب بذلك ابتداء، كما في قوله تعالى: { وأنزلنا إليك الكتابَ بالحقِّ مصدِّقًا لما بين يديهِ من الكتابِ ومُهَيمنًا عليه فَاحكمْ بينهم بما أنزلَ اللهُ ولا تَتَّبعْ أهواءَهم عمَّا جاءكَ من الحقِّ لكلٍّ جعلنا منكم شِرعةً ومنهاجًا ( [48] ) } . و النصوص في ذلك من الكتاب و السنة كثيرة متضافرة ( [49] ) .

هذا، وقد ذهب الحنفية إلى جواز أن يقلَّد غير المسلمين القضاء بينهم في قضاياهم؛ لأن لهم ولاية على بعضهم، وإذا جازت شهادة بعضهم على بعض فإنه يجوز قضاؤهم على بعض، وقد جرى العرف في الدولة الإسلامية على ذلك. أما جمهور الفقهاء فقد منعوا من تولية غير الملم للقضاء، حتى ولو كان بين غير المسلمين، لأنهم يشترطون في القاضي أن يكون مسلمًا على الإطلاق، ولأن القانون الواجب التطبيق في دار الإسلام هو أحكام الشريعة الإسلامية، ولا يقوم بتطبيقها وتنفيذها إلا المسلم.

ويمكن الجمع بين الرأيين بأن الأصل عدم تقليد غير المسلم القضاء باعتباره ولايةً عامة، ولكن لو كان ذلك نوعًا من التحكيم أو الرياسة والزعامة بين أهل دينه، في ظل الولاية الإسلامية العامة والخضوع لها: فإنه يجوز، على ما أشار إليه الماورديُّ في حكايته لقول الإمام أبي حنيفة ( [50] ) والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت