قال الإمام الشافعي: الذي أحفظ من قول أصحابنا وقياسه أنهم لا ينظرون فيما بين أهل الكتاب ولا يكشفونهم عن شيء من أحكامهم فيما بينهم، وأنهم لا يُلْزِمون أنفسهم الحكم بينهم إلا أن يتدارؤوا هم والمسلمون، فإن فعلوا فلا يجوز أن يحكم لمسلمٍ ولا عليه إلا مسلمٌ يحكم بحكم الإسلام، وكذلك لو ترافعوا إلى حكامنا هم ومستأمن لا يرضى حكمهم، أو أهل ملة وملة أخرى لا ترضى حكمهم، وإن تداعوا إلى حكامنا فجاء المتنازعون معًا متراضين ؛ فالحاكم بالخيار، إن شاء حكم وإن شاء لم يحكم، وأَحبُّ إلينا أن لا يحكم، فإن أراد الحكم بينهم قال لهم قبل أن ينظر فيه: إني إنما أحكم بينكم بحكمي بين المسلمين، ولا أجيز بينكم إلا شهادة العدول المسلمين، وأُحرِّم بينكم ما يحرم في الإسلام من الربا وثمن الخمر والخنزير، وإذا حَكَمْتُ في الجنايات حكمتُ بها على عواقلكم برضا العاقلة ( [29] ) .
والحجة في ذلك: قوله تعالى: { فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } ( [30] ) . فهي على المتنازعين لا على بعضهم دون بعض، مع قوله تعالى: { وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ } ( [31] ) .
قال الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ: (( فسمعتُ من أرضى علمه يقول: وأن احكم بينهم إن حكمتَ... ) ) ( [32] ) .
رابعًا- مذهب الحنابلة:
و قال الحنابلة: إذا تحاكم إلينا مسلم مع ذمي: وجب الحكم بينهم، لأن علينا حفظ الذمي من ظلم المسلم، وحفظ المسلم منه. وإن تحاكم بعضهم مع بعض، أو استعدى بعضهم على بعض: خُيِّر الحاكم بين الحكم بينهم والإعراض عنهم، فإن حكم بينهم لم يحكم إلا بالإسلام، وإذا استعدت المرأة على زوجها في طلاق أو ظهار أو إيلاء: فإن شاء حكم لها وإن شاء تركها، فإن حضر زوجها: حكم عليه بما يُحْكم على المسلم في مثل ذلك ( [33] ) .