ب ـ وفي الحدود أيضًا: يجب على الإمام أن يحكم بينهم بأحكام المسلمين، فكلُّ ما وجب على الإمام أن يقيمه على المسلمين فيما أصابوا من الحدود، كالزنا أو القذف أو السرقة أو قطع الطريق= وجب عليه أن يقيمه على أهل الذمّة، غير ما استحلُّوا به في دينهم، كشربهم الخمر وما أشبهه، فإن ذلك يختلف حالهم فيه وحال المسلمين، فيعاقب المسلمون على ذلك، وأهل الذمّة لا يُعَاقَبون عليه، ما خلا الرجم في الزنا، فإنه لا يقام على أهل الذمّة، لأن الأسباب التي يجب بها الإحصان: أحدها الإسلام. فأما ما سوى ذلك من العقوبات الواجبات في انتهاك الحرمات، فإن أهل الذمّة كأهل الإسلام. و يجب على الإمام أن يقيمها عليهم، وإن لم يتحاكموا إليه، كما يجب عليه أن يقيمه على أهل الإسلام وإن لم يتحاكموا إليه.
والدليل على ذلك: حديث ابن عمر-رضي الله عنهما-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجم يهوديًا و يهوديه حين تحاكموا إليه ( [24] ) . ولم يجئ أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يحكم عليهم إلا لأنهم تحاكموا إليه، فإن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ إنما أخبر عن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وحكمه إذْ تحاكموا إليه، ولم يخبر عن حكمهم عنده قبل أن يتحاكموا إليه... وإنما حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهما بالرجم ، لأن ذلك كان الحكم في الزناة في شريعة موسى - عليه السلام - للمحصن وغير المحصن، ثمَّ نُسِخ ذلك في شريعتنا، فجعل الرجم للمحصن والجلد لغير المحصن، ولا يكون الرجل محصنًا بامرأته، ولا المرأة محصنة بزوجها، حتى يكونا حُرَّيْن مسلمَيْن بالغَيْن، قد جامعها وهما بالغان. وممن قال بذلك كلِّه: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ـ رحمهم الله تعالى ـ ( [25] ) .