أ ـ ففي المعاملات والمواريث وسائر العقود والتصرفات؛ يخضع أهل الذمّة للقضاء الإسلامي، وتطبق عليهم أحكام الإسلام كالمسلمين، سواء ترافعا كلاهما إلى القاضي المسلم أو أحدهما؛ لأنهم ملتزمون بأحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات المالية، إلا في بيع الخمر والخنزير، فإن ذلك جائز فيما بينهم، لأنهم يقرُّون على أن تكون مالًا لهم، ولو لم يجز مبايعتهم وتصرُّفُهم فيها والانتفاع بها لخرجت من أن تكون مالًا لهم، ولَمَا وجب على مستهلكها عليهم ضمانٌ. وفيما عدا ذلك فإنهم يُحْمَلون على أحكام المسلمين؛ لقوله تعالى: { وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ( [20] ) . وفي هذه الآية الكريمة نسخ للتخيير في الآية السابقة لها، وهي قوله تعالى: فإنْ جاءوكَ فَاحْكُمْ بينَهم أو أعْرِضْ عِنْهُمْ } . على رأي بعض العلماء، أو هي خاصة في غير أهل الذمة، والأولى في أهل الذمة، فلا نسخ فيهما.
وروي عن النبي- صلى الله عليه وسلم - أنه كتب إلى أهل نجران: (( إما أن تذروا الربا وإما أن تأذنوا بحرب من الله ورسوله ) ) ( [21] ) . فجعلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في حَظْر الربا ومنعهم منه كالمسلمين، قال الله تعالى: { وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ } ( [22] ) . فأخبر أنهم منهيُّون عن الربا وأكل المال بالباطل، كما قال تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } ( [23] ) . فسوّى بينهم وبين المسلمين في المنع من الربا والعقود الفاسدة المحظورة، إذْ يقاس على الربا كلُّ ما يتعلق بحكم البيوع و الإجارات ونحوها من العقود والمعاملات.