يحتاج القضاة الذين ينظرون في قضايا الناس ونزاعاتهم في معاملاتهم وبالأخص فيما يتعلق بأحوالهم الشخصية من زواج وطلاق إلى الرجوع إلى الخبراء والعارفين للاهتداء بأقوالهم في توضيح الحقائق واثبات الجوانب الفنية في القضايا المطروحة ، لان القاضي ليس خبيرًا في كل فن ولا عالمًا في كل صنعة وحرفة ، فلو نظر القاضي في دعوى مرفوعة من شخص على آخر انه اشترى منه سلعة فوجدها معيبة ويريد ردها على صاحبها واخذ الثمن الذي دفعه فالقاضي لا يشك أن المبيع يرد على صاحبه بالعيب القديم الذي لم يحدث عند المشتري ولا رضي به ، لكن بعض العيوب لا يمكن معاينتها من القاضي وإنما هي أمور باطنة لا يعرفها ولا يدركها إلا الخبراء المختصون فلذا يرجع إليهم في إثبات ذلك ، فكذلك عندما ترفع الزوجة مثلًا دعوى على زوجها تطالبه بفسخ العقد لوجود عيب من العيوب الجنسية المانعة من الوطء في زوجها ، فالقاضي لا يستطيع الوقوف على حقيقة هذه العيوب ولا بد له من الفصل في هذه القضية ، فإما أن يحكم على الأمر ويقضي بغير علم وإما أن يعيد الأمر إلى نصابه ويرد الأمر إلى أهل الذكر وهم أهل الخبرة والمعرفة فيبينون حقيقة الأمر ووجود العيب فيقضى عندها بالبينة الواضحة القوية وفي ذلك حكم بالحق والعدل والقسط وما عداه الظلم والجور والهوى فلذا صار الأمر ضروريًا لازمًا - خصوصًا في زماننا هذا الذي تطور فيه العلم والاكتشاف - الرجوع إلى أهل الخبرة والمعرفة فيما لا يدركه القاضي ويمكنه الوقوف عليه ، لان الحكم على الشيء فرع عن تصوره ، فإيجاب سؤال من لا يعلم للخبراء العارفين وخصوصًا القضاة المأمورين بالحكم بين الناس بالعدل والقسط لازم لا بد منه .
الفصل الثاني
مشروعية قول أهل الخبرة وحجيته
لقد تضافرت الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والمعقول على مشروعية قول أهل الخبرة واعتبار قولهم حجة في الحكم في بيان الحق وفض النزاعات والقضاء في الخصومات .