كما عرفنا من المطلب الأخير في المبحث السابق ، فإن القضاء الشرعي لم تعد له تلك المكانة المرموقة والمنزلة العالية التي كان عليها في العصور السابقة ، بل أصبح محصورا في قضايا الأحوال الشخصية - مع كل أسف - ، وببحثي عن أسباب ذلك ، والعوامل التي أبعدت القضاء الشرعي من أغلب المحاكم في المجتمعات الإسلامية تبين لي أن ذلك يعود لأسباب ثلاثة ، فصلت الحديث عنها من خلال المطالب التالية:
المطلب الأول: الاستعمار
المطلب الثاني: الغزو الفكري
المطلب الثالث: العلمانية
المطلب الأول
الاستعمار
1-تعريف الاستعمار:
"الاستعمار هو إخضاع جماعة من الناس لحكم أجنبي ، ويسمى سكان البلاد: المُسْتَعْمَرين ، وتسمى الأراضي الواقعة تحت الاحتلال: البلاد المستعمرة" (1) .
2-استبدال القوانين الإسلامية:
إن أول من حاول التلاعب بالشريعة الإسلامية في العصر الحديث في الديار الإسلامية هو نابليون بونابرت عندما احتل مصر سنة 1214هـ / 1798م حيث حاول تغييرها واستبدالها بالقانون الوضعي ومن أجل ذلك أنشأ في مصر محكمة سماها 'محكمة القضايا' وهي هيئة تتكون من إثنى عشر تاجرًا نصفهم من المسلمين والنصف الآخر من عباد الصليب وأسند منصب الرئاسة فيها إلى قاضي قبطي وجعل من اختصاصها النظر في المسائل التجارية ومسائل المواريث ، وقد شكلت هذه المحاكم في كل من الإسكندرية ورشيد ودمياط .
ثم أنشأ خليفة نابليون 'منو' لكل طائفة من الطوائف غير الإسلامية من الأقباط والأروام واليهود وغيرهم محكمة خاصة يتولى رئاستها قاضي على نفس الملة وذلك كي تنافس هذه المحاكم المحاكم الشرعية التي كانت مازالت قائمة وتعمل .
(1) الموسوعة العربية العالمية 1/718