…وهناك أيضا عامل المسئولية الذي يوجِّه الإنسان نحو تنمية قدراته ومعارفه، والرقي بها ليكون على قدر المسئولية. وذلك يأخذ بيده إلى أسلوب آخر من أساليب بناء الشخصية؛ ألا وهو تنمية الذات، فالذات الإنسانية تحتاج إلى تنمية الخبرات عن طريق التفاعل مع المحيط الاجتماعي، ليتكون لديها تراكم للخبرات تؤدي إلى بناء الذات، وتكوين مفهوم عنها، وهذا التكوين - لا شك- له أهميته القصوى؛ فالمدرك لذاته قادر على تحديد طاقاته وإمكاناته، وقادر كذلك على تحديد مكانته والمهام المنوطة بها، بصفته جزءًا من المجتمع، ولوجوده في هذا المجتمع أهداف وغايات مهمة، كما لوجوده في هذه الدنيا أهداف وغايات رفيعة.
…ولذا فإن التنمية الذاتية تأخذ بيد الإنسان إلى بلوغ سمات راقية يتسم بها الفكر والسلوك لدى الإنسان؛ مثل: المرونة الفكرية، واحترام آراء الآخرين، وتحقيق العدل في العلاقات الإنسانية؛ وذلك عن طريق الموضوعية في التعامل مع الآخرين، وإقصاء جميع عوامل التأثّر الأخرى؛ كالنزاع السياسي والاقتصادي، أو علاقات الزمالة، أو غير ذلك مما يوقع الإنسان أسيرًا للعوامل الذاتية أو الانفعالية.
… ومن عوامل بناء الشخصية أيضا: التربية المدنية، التي نالت نصيبًا وافيًا من توجيهات الإسلام وتطبيقاته العملية في حياة المسلمين؛ وهي تربية ترمي إلى (تكيف الإنسان مع متطلبات عصره، ومحيطه الاجتماعي، هذه المتطلبات لا يحددها الفرد من منطلق نظري، بل يجد نفسه بمواجهتها، فهي متطلبات الواقع التي أفرزتها عوامل مختلفة ومتداخلة تفاعلت فيما بينها، فأوجدت الوضع الاجتماعي الذي يتهيأ الإنسان لدخوله والتعامل معه) . (1)
(1) مجلة الفكر السياسي، العدد (21) ، السنة الثامنة، شتاء: 2005م. مقال عنوانه: (التربية المدنية، دراسة في أزمة الانتماء والمواطنة في التربية العربية) د. عبد الله مجيدل، ص: )15).