فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 35

…لا تنفك شخصية القاضي عن غيره من البشر، ولا يخلو من الحاجة إلى الآخرين؛ فًالإنسان مخلوق اجتماعي بطبعه، إلا أن هذا الارتباط الطبيعي، يكاد لا يخلو من الحاجة إلى الضبط والتقييد، ورعاية التوازن فيه باستمرار؛ لما في طبيعة العمل القضائي من احتياطات لازمة للحفاظ على أمانة هذا العمل واتزانه.

…وَلِذا كَرِهَ العلماء دخول القاضي في أعمال التجارة، أو الأعمال التي تتطلب الأخذ والعطاء مع الناس. وكرهوا له أيضا ولوج الأسواق، والمجالس والموضوعات التي لا يليق بالعلماء اجتيازها. قال الخرشي المالكي في حاشيته: (تجارة الولاة مفسدة لهم لشغلهم بها عن إصلاح الرعية. قال عمر بن عبد العزيز: تجارة الولاة من أشراط الساعة. وقال ابن أبي الدم الشافعي: ويكره له مباشرة البيع والشراء بنفسه أو بوكيل خصيص له به مشهور بوكالته، وهكذا يكره له ولوج الأسواق ومخالطة الناس في البيع والشراء، وفي الموضوعات التي لا يليق بالعلماء والحكام الاجتياز بها) . (1)

…ومن الواضح أن تلك الأسباب تُعدُّ من الدواعي التي قد تميل بالنفس إلى مجانبة الاتزان والسواء اللازم في العمل القضائي؛ لما لها من تأثير في نفس الإنسان؛ فالتجارة ليست شغل شاغل فحسب، ولكنها أيضا تشكِّل داعيًا من دواعي الهموم التي قد تذهب بالفكر إلى مذاهب شتى، فتكون سببًا في حيدة الفكر والسلوك الإنساني وعدم اتزانه.

…ولا يقتصر الأمر على الحذر من تلك الأمور؛ فالحذر في تعيين القضاة ابتداء ألزم؛ ذلك لأن تعيين الولاة يتم بطريقين؛ إما بتعيين الخليفة، وإما بالتعيين الانتخابي؛ أي بأسلوب الشورى. وعلى الرغم من أهمية الشورى في الإسلام، إلا أن التنظيم الإسلامي الرفيع في مراعاته لقضية العلاقات الإنسانية والآثار المترتبة عليها عَمِلَ على رعاية شخصية القاضي باستثنائه من ذلك التنظيم.

(1) القضاء في الإسلام؛ د. محمد عبد القادر أبو فارس، ص: (56) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت