…وجاء عن ابن المناصف في تنبيه الحكام وبيان ما ينبغي على القاضي مراعاته في خاصة نفسه: (واعلم أنه يجب على من تولى القضاء أن يعالج نفسه على أدب الشرع، وحفظ المروءة، وعلو الهمة، ويتوقى ما يشينه في دينه ومروءته وعقله ويَحُطُّه عن منصبه وهمته، فإنه أهل لأن ينظر إليه ويقتدى به، فليس يسعُه في ذلك ما يسعُ غيره؛ فالعيون إليه مرفوعة، ونفوس الخاصة على الاقتداء بهديه موقوفة) . (1) فهذه الصفات توضح البناء العام المحكم لشخصية القاضي، الذي ينبغي أن يحرص على اكتسابه إن لم يتوفّر فيه أحد هذه الصفات.
…ويقول الإمام مالك رضي الله تعالى عنه في الخصال التي لا يصلح القاضي إلا بها: (لا أراها اليوم تجتمع في أحد، فإذا اجتمع في الرجل خصلتان رأيت أن يولى: العلم والورع) . قال عبد الملك بن حبيب: (فإن لم يكن فعقل وورع؛ فبالعقل يُسأل، وبه تصِحُّ خصال الخير كلها، وبالورع يعِفُّ، وإن طلب العلم وجده، وإن طلب العقل، إذا لم يكن فيه لم يجده) . (2)
…ولعل العقل والورع وعلو الهمة هي الصفات الأساس التي تتأتى عنها كثير من الصفات الحميدة الأخرى التي يُراعى وجودها في شخصية القاضي.
…وقد يتضمن النضج العقلي عددًا من الصفات المهمة التي اشترطها العلماء في شخصية القاضي؛ كالتي ذكرها الماوردي في قوله: (صحيح التمييز، جيد الفطنة، بعيدًا عن السهو والغفلة، يتوصل بذكائه إلى حَلِّ ما أشكل وفصْلٍ ما أعضل) . (3)
(1) القضاء في الإسلام؛ د. محمد أبو فارس، ص: (69) . دار الفرقان، عمان، ط2، 1404هـ، 1984م. عزاه إلى تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام: 1/28، 29، ومعين الحكام: (14، 15) .
(2) تاريخ القضاء في الإسلام، محمود بن محمد عرنوس، ص: (75) .
(3) نقلا عن مقال: (الخصائص المميّزة لنظام القضاء في الإسلام) ؛ إدريس العلوي العبدلاوي. ص: (140) . من مجلة: الأكاديمية؛ مجلة أكاديمية المملكة المغربية، العدد: 11، سنة: 1994م.