…فولاية القضاء كغيرها من الولايات التي يُشترط فيها العلم بالأحكام، والقدرة على تحصيل مصالحها وترك مفاسدها؛ ذلك ما ذكره ابن عبد السلام والإمام البغوي رحمهما الله تعالى: (للولاية شرطان: العلم بأحكامها، والقدرة على تحصيل مصالحها وترك مفاسدها، فإذا فقد الشرطان حرمت الولاية) . (1) فينبغي للمرء أن (لا يدخل القضاء إلا إذا أحسّ من نفسه الكفاءة والأهلية وحسن النية؛ لأنه منصب ديني، وفيه فضل عظيم لمن قوي على القيام به، وأداء الحق فيه) . (2) مما يؤكد ضرورة التهيؤ المسبق القائم على الإعداد الأمثل الذي يؤهل لتلك الولاية.
…ويقتضي التهيؤ المسبق للعمل القضائي أن يَعِيَ الذي سيقدم على هذه المهمة عموم الخطاب الإلهي في قوله تعالى: (فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أنزَلَ اللهُ) . (3) وما أنزله الله سبحانه وتعالى، لعباده عام وشامل لجميع مصالحهم، وذلك يتطلب الإلمام بما أنزل الله تعالى من أحكام، بتلقي العلم النظري، والتطبيقي، وممارسة التدريب العملي.
…ويتطلب العلم النظري الإلمام بالعلوم الفقهية والقانونية؛ فأما العلوم الفقهية؛ فيستعد لهذا المنصب بدراسة المذاهب الفقهية، أو غالب مذهبه ومنصوصاته وأقوال أصحابه، وأن يكون عالمًا بذلك. وأن يتدرب على قدرات استحضار أقوال الأئمة، واستخراج المعاني المفهومة من الألفاظ المنقولة، وأن يُنمي في نفسه إمكانات طرق النظر، وترجيح الأدلة، وأن يتدرب على قدرات القياس، وعلى إقامة الأدلة وترتيبها وإقامتها على الأحكام. (4)
(1) القضاء في الإسلام، جبر الفضيلات، ص: (58) . وعزاه إلى: زاد المحتاج بشرح المنهاج: 4/516.
(2) المرجع السابق، ص: (276) .
(3) سورة المائدة؛ جزء من الآية: (48) .
(4) كتاب أدب القضاء، ابن أبي الدم، ص: (80، 81) بتصرف.