…ولعل رسالة علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه إلى واليه في مصر، التي تُبيِّن مدى الحذر والحيطة في انتقاء القضاة، تشير أيضا إلى الخصائص التي تُميِّز شخصية القاضي، ويُنتقى على أساسها. إذ يقول رضي الله تعالى عنه: (....ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك، ممن لا تضيق به الأمور، ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى في الذلة، ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه، ولا تستشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بأدنى فهم إلى أقصاه، أوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج، وأقلّهم تَبرُّما بمراجعة الخصوم، وأصبرهم على كشف الأمور، وأصرمهم عند إتضاح الحكم، ممن لا يزدهيه المراء، ولا يستمليه إغراء، وأولئك قليل) . (1)
…وذلك بالإضافة إلى ما تختصُّ به شخصية القاضي من ناحية ما يصدر عنه من أحكام؛ فأحكامه ليست قولًا قابلا للأخذ والعطاء، أو المدح والثناء، أو القدح والنعي؛ ذلك لأنها تقوم على دراسة مُسبقة ومستفيضة للقضايا ومتعلقاتها، ولأنها تُبني على ضمير مؤسس على الفصل العادل، ولكن إذا مسَّ هذه الحقيقة شيء من الريب؛ فلا يتمكن -أيضا - الطاعن من الطعن (إلا بالطرق التي رسمها القانون للطعن في الأحكام؛ وأمام المحكمة المختصة بذلك، والنعي عندئذ يوجه إلى الحكم لا إلى من أصدره، وإلى مدونات القضاء لا إلى بواعثه أو دوافعه، فهذه مناطق محرمة، ليس لأحد أن يقع فيها ولا أن يحوم حولها) . (2)
(1) تاريخ القضاء في الإسلام؛ محمود بن محمد بن عرنوس، ص: (17) . مكتبة الكليات الأزهرية. مطبعة الحلبي، مصر.
(2) الحق في التعبير؛ د. محمد سليم العوا، ص: (10) . دار الشروق، القاهرة، ط1، 1418هـ - 1998م.