( أما السبب الثالث، فهو طبيعة المعاملات الشخصية الآنفة الذكر، فإن لها نظاما اجتماعيا وتقاليد أسرية تضفي عليها هالة من القيمة الاجتماعية ليست متوافرة في المعاملات المالية، مع ملاحظة أن هذه العادات الاجتماعية ليست شروطا أو أركانا في العقد، تتوقف عليه الصحة أو تنتفي، على نحو ما هو مطبق في الديانات التي تعد الطقوس والمراسيم، أمر ضروري في الانعقاد.
إن أقصاء الشريعة الإسلامية عن التطبيق في العديد من مجالات الحياة سوى الجانب المتعلق بالأحوال الشخصية، أدى إلى تأخر في البحوث الفقهية التي تعالج المستجدات في نطاق المعاملات، ذلك لأن هذه المستجدات تلح بنفسها على المتعاملين الذين يهمهم الوضع القانوني لمعاملاتهم، والقانونيين الذين يجدون أنفسهم أمام قضايا تفرض نفسها عليهم، لا بد لها من أحكام يفصل بها القضاء، بينما تصبح هذه القضية مسألة نظرية أمام الفقهاء يبحثونها من باب الفتوى، أو من باب المحافظة على قبس الفقه الإسلامي ونوره في حياة المسلمين، وعلى أمل أن تجد هذه البحوث طريقها إلى التطبيق يوما، وأرجو أن يكون ذلك قريبا.
لذا؛ فإن عدم تطبيق الفقه الإسلامي على معطيات الحياة المعاصرة كان نتيجة لتلك المقدمة، وهو ما يفسر لنا ذلك التسارع الكبير الذي تسير به المؤلفات القانونية المتعلقة بالتجارة الإلكترونية، بينما لا نرى أدبيات الفقهاء في هذا المجال تسير بذلك التسارع، وإن كانت أبحاث الفقهاء في هذا الميدان لا زالت فتيّة بالنسبة لما كتب قانونا واقتصادا، وفي طريقها إلى أن تكون ثرية إن شاء الله.