وخلال هذه الفترة حافظ القضاء الشرعي على مصطلحاته وحرص عليها ، وليس في ذلك ثمة جمود وتحجر يتسم به القضاء الشرعي في الإسلام ؛ بل على العكس فهو حريص على المحافظة على لغة النصوص الشرعية والمحافظة على هوية الأمة ، ولذلك رأينا في القضاء الشرعي من أفاد من القوانين الأخرى بعد التأكد من عدم مخالفتها للإسلام ، فقد وافق القضاة المسلمون على قانون الجزاء العثماني سنة 1275 هـ / 1857 م ، وأدخلوا قانون الحقوق والتجارة عام 1276 هـ / 1858 م ، ثم في 1288 هـ / 1870 م جعلت المحاكم على قسمين: محاكم شرعية ومحاكم نظامية ، ووضع قانون أصول المحاكمات الحقوقية والجزائية في 1296 هـ / 1878 م .
فهذه القوانين استعملت كأحكام أجازها الإسلام ، وأخذت الفتوى الشرعية للعمل بها ، وكانت دقيقة في صياغتها ، والإصطلاح الشرعي ما زال قائم فيها (1) .
ولهذا يجب على المسلمين في هذا العصر أن يعتزوا بهذا التأريخ المجيد لأمتهم ، وأن يحافظوا على تراثهم الخالد الذي ورثه لهم أجدادهم ، وأن لا ينساقوا وراء كل مطبّل ومزمّر يريد سلخ المسلمين من تأريخهم ، وتجريدهم من ماضيهم ، فإنه لحري بنا اليوم أن نقرأ تلك الحوادث الخالدت وكيف وقف الغرب والشرق وهو منحي الرأس أمام الحضارة العربية الإسلامية .
ومع هذا كله نجد اليوم من ينادي بالإنفتاح على عالم الغرب كليًا ، وكسب ما عندهم جذريًا ، وكأننا لا نملك ثروة الماضين وعقول المعاصرين وهمة العاملين ، وكأننا حفاة عراة من كل علم وفقه ومبدأ ودين ، وهؤلاء ( المستغربون ) قياسًا على ( المستشرقين ) الذين نادوا وينادون بعصرنة الإسلام لتواكب العصر الراهن ، ولذلك مزجوا بين المصطلحات والمفاهيم ، وخلطوا بعضها بالآخر ، إما قصدًا لإضفاء صبغة دينية على المصطلح الغربي ومفهومه وأفكاره ، وإما جهلًا لعدم تمييزهم بين الحضارة والمدنية ، وما يؤخذ وما لا يؤخذ .
(1) أنظر: نظام الإسلام: 44 - 45 .