ونوقش قولهم بأن التقنين يؤدي إلى تعطيل الثروة الفقهية، فأجيب بأن التقنين ليس فيه حجر كبير على القضاة، لأن تدوين الفقه لا يمنع الاجتهاد، ومستجدات الحياة كثيرة مما يعطي للقاضي مجالًا في تبني أحكام جديدة لها، وهو يجتهد في ملابسات الأقضية المعروضة عليه، وللأحكام المقننة مذكرات إيضاحية وشروح، ولا يستغني واضعوها عن كتب الفقه الإسلامي، ثم إن الإلزام والتقييد بمذهب معين، واقع في كثير من البلاد الإسلامية منذ قرون، ومع ذلك لم يكن هذا مانعًا من الاتساع الفقهي، بل الموسوعات الفقهية، ومطولات الكتب في الفقه وجدت في هذه الفترات (1) .
الرأي المختار:
بعد أن ذكرنا رأي المجيزين والمانعين وأدلتهم ومناقشتها، نرى اختيار القول الأول بجواز تقنين الأحكام الشرعية والإلزام بها لسلامة أكثر أدلتهم وتعليلاتهم ووجاهتها، وللإجابة عن أدلة المانعين والرد عليها وللأمور التالية:
سهولة الرجوع إلى أحكام التقنين من القضاة وغيرهم، ومعرفة الحكم الشرعي، لأن الكتب الفقهية عرضت بأسلوب يختلف عن أسلوب العصر، وهي مليئة بالخلافات والآراء في القضية الواحدة، وهذا يجعل غير المتخصصين في حرج وحيرة عندما يريدون الأخذ بحكم فقهي، والتقنين يؤدي إلى ضبط الأحكام الشرعية، واعتماد الرأي الأصلح من الآراء المختلفة بين المذاهب بل في المذهب الواحد (2) .
إن التقنين وسيلة عصرية لتطبيق الشريعة الإسلامية في العصر الحاضر، وعدم إتباعها يفتح السبيل أمام القوانين الأجنبية للدخول في البلاد الإسلامية (3) .
(1) المحاميد مسيرة الفقه الإسلامي: 464 .
(2) الزحيلي، جهود التقنين في الفقه الإسلامي: 27، الزرقا، المدخل الفقهي العام: 1/319 .
(3) عبد البر، تقنين الفقه الإسلامي: 62 .