ويرى بعض العلماء المعاصرين قياس مسألة التقنين على تشبيه ابن القيم لجمع القرآن فقال: ونحن نقيس على ذلك أيضًا فيما يتعلق بموضوعنا: مسألة تقييد القضاء برأي معين مختار من جملة الآراء الفقهية، دون تقييد بمذهب معين ولا بفقيه بذاته، وإنما تعتبر في ذلك المصلحة العامة، وبما ييسر على الناس أمور حياتهم، ويتناسب مع عصرهم، فمن الجائز إذًا أن يتخير ولي الأمر الرأي الذي يرجحه على ضوء ما ذكرنا عند الاختلاف فيلزم به القضاة قاطبة في كل أنحاء البلاد الخاضعة لحكمه (1) .
إن المستجدات تحتاج إلى حكم شرعي ينص عليه في التقنين، وليس من الحكمة والمصلحة ترك ذلك لاجتهاد القضاة، لعدم توافر صفات الاجتهاد في أكثرهم، وعدم تفرغهم للبحث والاستقصاء في كل مستجد، وخصوصًا مع تطور الحياة، وكثرة المستجدات فيها.
اتفق الفقهاء في الجملة على ان من توافرت فيه شروط الاجتهاد من القضاة لا يجود إلزامه بالحكم بمذهب معين، أما إذا كان القاضي مقلدًا، كما هو الحال في أكثر قضاة العصر، فأقوال الفقهاء صريحة بأن إلزام هؤلاء بالحكم بمذهب معين أمر مقبول وسائغ، ومن لا يرى هذا الإلزام من الفقهاء إنما يمنعونه، لأنهم لا يرون تولية القضاة غير المجتهدين وهذا فيه من الضيق والحرج، ما لا يعلمه إلا الله فلم يبق إلا الإلزام بمذهب معين للقضاة غير المجتهدين (2) .
ثانيًا: أدلة المانعين للإلزام بالتقنين:
استدل من قال بمنع الإلزام بالتقنين بعدة أدلة أهما ما يلي:
قوله تعالى: { فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئًا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين } (المائدة:42) .
(1) مجلة الاحمدية: العدد 19، ص 491 .
(2) مجلة البحوث والدراسات الإسلامية، العدد (33) ص 46-48، ابن تيمية، مجموع الفتاوى: 20/212 .