بما روى عن علي رضي الله عنه قال:"بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيًا فقلت: يا رسول الله ترسلني وأنا حديث السن ولا علم لي بالقضاء؟ فقال: إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك الحديث" (1) ، فالرسول صلى الله عليه وسلم بعث عليًا ولم يكن مجتهدًا وهذا دليل على عدم اشتراط الاجتهاد للقضاء.
ومن ناحية النظر قولهم أن المقصود من القضاء هو إيصال الحق إلى مستحقه، ورفع الظلم، وهذا يحصل بقول المقلد وكذا الجاهل إذا عمل بفتوى غيره.
المناقشة والترجيح:
اعترض على استدلال أصحاب المذهب الثاني بالآية، بأنها واردة في سؤال خارج عن محل النزاع لأنها واردة في سؤال خاص كما ذكر المفسرون أنها نزلت في رد المشركين لما أنكروا كون الرسول صلى الله عليه وسلم بشرًا (2) .
ويمكن الجواب عن ذلك أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
اعترض على استدلالهم بتولية علي رضي الله عنه قضاء اليمن بأن هذا ليس بشيء، فإنه عليه الصلاة والسلام دعا له بأن يهدي الله قلبه ويثبت لسانه، فإن كان بهذا الدعاء رزق أهلية الاجتهاد فلا إشكال، وإلا فقد حصل له المقصود من الاجتهاد وهو العلم والسداد وهذا غير ثابت في غيره (3) .
ونوقش استدلالهم من ناحية النظر، بوجود الفرق بين العامي المقلد في فروع الشريعة، وبين القاضي المقلد، بأن المقلد في فروع الشريعة مضطر إلى أن يسأل للعمل بها في حق نفسه، بخلاف القاضي الذي يسأل ليلزم به غيره (4) .
الترجيح:
الذي يظهر من خلال النظر في أدلة القولين، رجحان قول جمهور العلماء في اشتراط الاجتهاد في القاضي عند وجود المجتهد بقوة أدلتهم وعدم صمود أدلة المخالفين أمام المناقشة والتمحيص.
(1) أبو داود، سنن أبي داود: (3582) .
(2) الشوكاني، محمد بن علي، تحقيق عبد الرحمن عبد الخالق: ص 18 .
(3) ابن الهمام كمال الدين بمحمد عبد الواحد، شرح فتح القدير: 7/241 .
(4) الماوردي، الأحكام السلطانية: 67 .