الصفحة 5 من 31

يقول الإمام مالك:"لما حج المنصور دعاني ، فدخلت عليه فحادثته ، وسألني فأجبته ، فقال: عزمت أن آمر بكتبك هذه يعني الموطأ فتنسخ نسخا ثم ابعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين بنسخة وآمرهم أن يعملوا بما فيها ويدعوا ما سوى ذلك من العلم المحدث ، فإني رأيت أصل العلم رواية أهل المدينة وعلمهم ، قلت: يا أمير المؤمنين ، لا تفعل ، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل ، وسمعوا أحاديث ، ورووا روايات ، وأخذ كل قوم بما سيق إليهم ، وعملوا به ودانوا به من اختلاف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وغيرهم ، وإن ردهم عما اعتقدوه شديد ، فدع الناس وما هم عليه وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم ، فقال: لعمري لو طاوعتني لأمرت بذلك" (1) .

كما استرعى نظر عبد الله بن المقفع اختلاف الأحكام باختلاف الأمصار فكتب في رسالة الصحابة إلى الخليفة المنصور يقترح عليه أن يتبنى في المسائل المختلف فيها رأيا ينهي اختلاف القضاة ويجعل الرأي والحكم واحدا (2) .

وذكر أبو نعيم رواية عن مالك مفادها أن هارون الرشيد عرض عليه ذلك أيضا ، فعن عبدالله بن عبدالحكم قال سمعت مالك بن أنس يقول:"شاورني هارون الرشيد في ثلاث: في أن يعلق الموطأ في الكعبة ويحمل الناس على ما فيه ، وفي أن ينقض منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ويجعله من جوهر وذهب وفضة ، وفي أن يقدم نافع بن أبي نعيم إماما يصلي في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا أمير المؤمنين ، أما تعليق الموطأ في الكعبة فإن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اختلفوا في الفروع ، وتفرقوا في الآفاق ، وكل عند نفسه مصيب" (3) .

(1) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي 8 / 78 ، 79 .

(2) انظر: المدخل إلى الشريعة والفقه الإسلامي ، الدكتور عمر الأشقر ص351 - 352.

(3) ذكره أبو نعيم في حلية الأولياء 6 / 332 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت