وهكذا لم تجد تلك الأطروحات فرصة التنفيذ لاعتبارات متعددة ، أهمها أن التوصل إلى التقنين المطلوب كان يقتضي الأخذ بمذهب دون بقية المذاهب الأخرى ، وطبيعي أن هذا الحل لن يظفر بتأييد فقهاء المذاهب المتروكة ، ومن يتبعون مذاهبهم ، وهذا ما فطن إليه الإمام مالك رحمه الله تعالى.
ولم يحسم الأمر إلا في عهد الدولة العثمانية عند اتساع المعاملات التجارية وازدياد الاتصالات بالعالم الخارجي ، ووجود قضاة في المحاكم النظامية ومجالس تمييز الحقوق لا اطلاع لهم على علم الفقه وأحكامه .
فكان تقنين الأحكام ليسهل عليهم الاطلاع عليها ، فجعلت المذهب الحنفي مذهبا مقررا متبعا في الدولة ، ووضعت"مجلة الأحكام العدلية"وكان تاريخ صدور هذه المجلة في عام 1295 هجرية ، واحتوت على 1851 مادة استمد أغلبها من الفقه الحنفي، وقد ظلت هذه المجلة مطبقة في أكثر البلاد العربية إلى أوساط القرن العشرين (1) .
وبعد ذلك وجدت مشروعات قوانين استمدت من الفقه الإسلامي وقامت عليها جهات رسمية في بعض البلدان الإسلامية .
ومنها ما قام به مجمع البحوث الإسلامية في جمهورية مصر العربية ، حيث أصدر مشروعا متكاملا لتقنين المعاملات على المذاهب الأربعة: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي ، في ستة عشر جزءا صغيرا ، قرنت فيه كل مادة بتذييل توضيحي يبين المراد منها ، ولكل مذهب أربعة أجزاء (2) http://www.islamonline.net/Arabic/contemporary/2005/08/article04.shtml - (17) # (17) .
(1) انظر: المدخل للتشريع الإسلامي ، الدكتور محمد النبهان 354 - 358 .
(2) انظر: جهود تقنين الفقه الإسلامي ، الدكتور وهبة الزحيلي ص 32 .