ثامنا: هناك مجموعة من الحكومات الإسلامية تخطط للأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية لكنها تعجز بسبب عدم وجود شيئ ميسور تسير عليه ، وقد حدث ذلك في باكستان عقب الاستقلال ، وهناك حكومات أخرى تتعلل للتهرب من مطالبة الناس لها بتطبيق أحكام الشريعة بعدم وجود مشاريع قوانين مستمدة منها ، ولو أننا سلمنا بالمفاسد المترتبة على التقنين لكانت المصالح العامة التي يحققها والتي تعود على الضروريات الخمس بالعناية والرعاية والحفظ سببا في التغاضي عن هذه المفاسد تطبيقا لقاعدة إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما (1) .
ويكفي أن التقنين يحمل في طياته تحديدا لأبعاد الحكام الشرعي ، وبيانا لمسايرة الشريعة الإسلامية لمصالح العباد وصلاحيتها لكل زمان ومكان ، واستكمالًا للبناء الفقهي الإسلامي.
ضرورات عملية التقنين:
هناك ضرورات لا يمكن أن يتم تقنين الأحكام الشرعية دون مراعاتها ، ومن أهمها ما يأتي:
( 1 ) فتح باب الاجتهاد للقادرين عليه ، والتحرر من الالتزام المذهبي المتشدد فيما يتعلق بالتشريع للمجتمع كله ، وهذا يستدعي ربط التقنين المنشود بمصادره الشرعية من كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وإجماع الأمة ، والفقه فيها على ضوء المقاصد العامة للشريعة الإسلامية ، والاجتهاد في المسائل والأوضاع الجديدة لاستنباط حكم مناسب لها ، وإعادة النظر في تراثنا الفقهي بمختلف مدارسه ، والانفتاح على المذاهب الفقهية المعتبرة لأخذ أفضل ما فيها في كل مسألة ، بعد النظر والتمحيص في ضوء الأدلة وقواعد الاستنباط ، إذ لا يوجد مذهب واحد يحتوي على الراجح في كل مسألة .
(1) انظر: مجلة البحوث الإسلامية ، العدد 33 ، سنة 1412 ص 49 .