رابعا: أن فكرة التقنين كانت موضعا للبحث منذ أكثر من عشرة قرون ، وكانت موضع التنفيذ في صورة الإلزام بالحكم بمذهب إمام بعينه في أماكن كثيرة من البلاد الإسلامية ، ولا يزال العمل بهذا جاريا في بعض البلاد ، ومنها المملكة العربية السعودية ، فمجرى القضاء في جميع محاكمها طبقا على المفتى به من المذهب الحنبلي ، وإذا وجد القضاة في تطبيقه على مسألة ما مشقة ومخالفة لمصلحة العموم ؛ يجري النظر والبحث فيها من باقي المذاهب بما تقتضيه المصلحة ، ويقرر السير فيها على ذلك المذهب مراعاة لما ذكر (1) .
خامسا: أن القضاة هم بمثابة الوكلاء عن الإمام ونوابه ، لأنهم صاروا قضاة بإذنه ، والوكيل مقيد بشروط موكله ، فلا يخرج عن حدودها ، فإذا ألزمه بالقضاء على مذهب معين أو بالتقنين ؛ وجب عليه التقيد بذلك ، خصوصا إذا لم تكن شروط الاجتهاد متوفرة فيه (2) .
التقنين ضرورة عصرية:
موقف المجيزين للتقنين هو الأجدر والأحرى بالقبول لوجاهة أكثر الأدلة والتعليلات التي استدلوا بها ، ولإجابتهم عن أكثر أدلة القائلين بمنع التقنين ، ولأن هذا التقنين قد أصبح ضرورة عصرية نظرا لأسباب كثيرة من أهمها ما يأتي:
أولا: سهولة الرجوع إلى أحكام التقنين ؛ لأن الكتب الفقهية معروضة بأسلوب يختلف عن أسلوب العصر ، وهي تغص بالخلافات والآراء والنظريات في نطاق المذهب الواحد فضلا عن المذاهب المختلفة ، وهذا يجعل غير المتخصصين في حرج وعسر وضيق حينما يريدون الأخذ بحكم فقهي معين راجح في النظرة الإسلامية أو في دائرة المذهب الاجتهادي ذاته (3) .
(1) انظر: مجلة البحوث الإسلامية ، الرئاسة العامة لإدارات البحوث بالمملكة العربية السعودية ، العدد 33 ، سنة 1412 ص 35 .
(2) انظر: مسيرة الفقه الإسلامي المعاصر وملامحه ، الدكتور شويش المحاميد ص 441 .
(3) انظر: جهود تقنين الفقه الإسلامي ، الدكتور وهبة الزحيلي ص 27 - 28 .