قال صاحب المنار:"وفوض القرآن فيما يحتاج إليه من أمور الدنيا السياسية والقضائية والإدارية إلى أهل الرأي والمعرفة بالمصالح من الأمة بقوله: { وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } (1) وقوله: { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } (2) ولهذا أمر بطاعة هؤلاء الذين سماهم أولي الأمر وهم أهل الشورى في الآية الأخرى فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ } (3) فهذا ما جاء به الإسلام ، وهو هداية تامة كاملة لا تعمل بها أمة إلا وتكون مستقلة في أمورها ، مرتقية في سياستها وأحكامها ، يسير بها أهل الرأي والمعرفة في كل زمان ومكان بحسب المصلحة التي يقتضيها الزمان والمكان ، ومن ذلك أن يضعوا القوانين وينشروها في الأمة ، ويلزم القضاة والحكّام باتباعها والحكم بها" (4) .
ثانيا: أن أحكام الشريعة متعددة ، ومصادرها كثيرة ، ووجهات النظر في كثير من مسائلها متباينة ، لما تحتمله نصوصها من المعاني الكثيرة ، وكذلك عقول البشر محدودة ، وتتفاوت في مدى قدرتها على استنباط الأحكام من تلك النصوص ، فتتضارب الأحكام في كثير من الأحيان ، وربما أحدث ذلك بلبلة واضطرابا ، وأهدر الثقة بالمحاكم الشرعية ، فكان التقنين ضرورة اقتضاها الحال وروح العصر (5) .
ثالثا: تطور الشرائع السماوية من أبرز الأدلة على جواز تقنين الأحكام الشرعية ، حيث كانت كل شرعة من هذه الشرائع تحوى من الأحكام و القواعد بقدر ما تتسع لها عقلية من نزلت اليهم.
(1) سورة الشورى: 38 .
(2) سورة النساء: 83 .
(3) سورة النساء: 59 .
(4) الفتاوى لمحمد رشيد رضا 2 / 625 .
(5) انظر: الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي ، محمد بن الحسن الحجوي 2 / 418 .