الصفحة 18 من 31

ويجاب عن ذلك: بأننا لا يمكن أن نرفض أمرا لمجرد ادعاء البعض بأن شريعتنا قد تأثرت بقوانين وضعية أو غير وضعية ، فدعاوى الخصوم لن تتوقف ، وسقفها أعلى من ذلك بكثير ، والإسلام لم يكن من أهدافه أبدا أن يهدم كل ما سواه ، و لكنه جاء بقواعد عامة للمعاملات وغيرها من النظم التي اتسعت لذلك الجزء الصالح من التشريعات السابقة ، فأقرها الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو أقرها أصحابه من بعده أو أقرها علماء أمته فيما بعد ، فهل في ذلك من عيب ؟

لقد كان من محاسن الإسلام أنه قدر ما اصطلح عليه الناس و تعودوه ما دام حسنا، بل احترمه و لو كان نقصا ما دام صالحا للتطور والتعديل والتقويم ، لأن ذلك أدعى الى قبول الدين وسهولة ذيوع الدعوة اليه ، ولأن ذلك هو الفطرة .

تاسعا: أن المراد بالشريعة الكتاب والسنة ، ولا يمكن تقنين الكتاب والسنة بجعل ما فيهما على صورة المواد القانونية ؛ لأنهما أجل وأعظم من ذلك ، والمواد القانونية لا تتسع لاستيعاب ما فيهما ، كما أن الفقه لا يحتاج إلى تقنين ؛ لأنه مفصل في كتب وأبواب ومسائل وفهارس ، ومن أراد حكمًا في مسألة أو فصلًا في قضية فسيجد ما يطلب بيسر وسهولة .

ويجاب عن ذلك: بأن المراد هو تقنين الأحكام المستنبطة من القرآن الكريم والسنة والإجماع ، وليس في نصوص القرآن الكريم والسنة ما يحظر ذلك ، خصوصا ونحن نرى أن بعض كتب الفقه المدونة قد اختصرت على نمط التقنين ، لكي يسهل التعامل معها ، فهما متماثلان ، ولا يصح التفريق بين المتماثلين .

ثم إن التقنين ليس لكل ما في الكتاب والسنة من أحكام ، وإنما للأحكام التي يتعلق بها حكم القضاة ، وإذا كانت كتب الفقهاء قد استوعبت هذه الأحكام ، فإن التقنين لا يزيد على صياغة ما تضمنته صياغة سهلة مرتبة معينة للقضاة وغيرهم لفهم الأحكام ، ومقتصرة على القول الراجح لاعتماده .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت