ثم إن الاجتهاد ليس محصورا في القضاة ، بل هو موجود عند غيرهم من علماء الأمة الإسلامية ، وفي غير الأحكام القضائية ، فالفتوى أشمل وأوسع من القضاء (1) .
إن التقنين ليس فقط إفراغ القواعد القانونية في صيغة مواد محددة ومرقمة ، ولكن السلطة التنظيمية موجودة ويفترض أنها تواكب التطورات لإصدار التنظيمات المناسبة لها ، فالتقنين ليس مرحلة نهائية ، ولكنه مرحلة مفتوحة ومتجددة ، بل هو قاعدة للانطلاق ، والدول التي أخذت بعملية التقنين في تشريعاتها المختلفة ، لم تغلق الباب أمام النهل من الاجتهادات والمدارس المختلفة التي تضمنها الفقه الإسلامي ، فالقاضي يحكم بالقضية بموجب النص المقنن أولًا ، فإن لم يجد فيحق له الرجوع إلى الشريعة الإسلامية بكل مدارسها ومذاهبها ، فإن لم يجد فله الأخذ بالعرف ما لم يكن مخالفًا للقانون ، وبالتالي فإن التقنين عملية فنية بحتة هدفها تحديد الحقوق والواجبات حتى يعرف كل مواطن ما له وما عليه ولا يترك للاحتمالات والتعسفات .
سابعا: أن الأحكام الشرعية المقننة ستتعرض بمرور الوقت إلى بعض التعديلات ، وهذا سيؤدي إلى زعزعة الثقة في أحكام الشريعة الإسلامية ، كما أن كثرة التعديلات التي تجري على القوانين تبعدها عن أصلها الشرعي كما هو مشاهد في قوانين الأحوال الشخصية.
ويجاب عن هذا: بأن القاضي غير ملزم بالبقاء على اجتهاده الأول إذا صح لديه الدليل باجتهاده الجديد ، ومنعه - في هذه الحالة - يؤدي إلى المنع من الأخذ بالدليل، وهذا لا يقول به أحد ، والتقنين مثله ، كما أن القول بعدم تعديل القوانين إذا ظهرت المصلحة في تعديلها يناقض بناء الإسلام على رعاية مصالح الناس وصلاحيته للتطبيق في كل زمان ومكان.
ثامنا: قبول فكرة التقنين يفتح الباب على مصراعيه للقائلين بتأثر الأحكام الشرعية بالقوانين الوضعية في العصر الحديث .
(1) انظر: مجلة البحوث الإسلامية ، العدد 33 ، سنة 1412 ص 51 .