أصل مسألة التقنين إلزام القاضي بالقضاء وفق مذهب معين لا يتجاوزه وإن خالف اجتهاده إن كان من أهل الاجتهاد .
وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: لا يجوز إلزام القاضي بالحكم بمذهب معين ، واشتراطه على القاضي باطل غير ملزم .
فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرى رأيا ، ويرى على بن أبي طالب رأيا ، ويرى عبد الله بن مسعود رأيا ، ويرى زيد بن ثابت رأيا فلم يلزم عمر ، وهو أمير المؤمنين صاحب الرأي المؤيد بالوحي أحدا من هؤلاء أن يأخذ بقوله (1) .
ولهذا كان رضي الله عنه إذا كثر عليه الخصوم صرفهم إلى زيد بن ثابت رضي الله عنه ، فلقي يوما رجلا ممن صرفه إلى زيد ، فقال له: ما صنعت ؟ قال: قضي علي يا أمير المؤمنين ، قال: لو كنت أنا لقضيت لك ، قال: فما يمنعك وأنت أولى بالأمر ؟ قال: لو كنت أردك إلى كتاب الله تعالى أو سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - فعلت ، ولكني إنما أردك إلى رأي والرأي مشترك (2) ..
وممن قال بعدم جواز إلزام القاضي بالحكم بمذهب معين الشافعي ، وابن تيمية ، وابن قدامة المقدسي ، وغيرهم .
قال الشافعي:"وإذا قاس من له القياس فاختلفوا ؛ وسع كلا أن يقول بمبلغ اجتهاده ، ولم يسعه اتباع غيره فيما أدى إليه اجتهاده" (3) .
وقال ابن تيمية:"ليس لولي الأمر أن يلزم أحدا بقبول قول غيره وإن كان حاكما ، وإذا خرج ولاة الأمر عن هذا فقد حكموا بغير ما أنزل الله" (4) .
(1) مجموع الفتاوى لابن تيمية 35 / 384 .
(2) انظر: أخبار المدينة ، أبو زيد النميري البصري 1 / 367 .
(3) الأم للشافعي 1 / 153 .
(4) مجموع الفتاوى لابن تيمية 35 / 387 - 388 .