الصفحة 10 من 31

ولهذا رأينا كاتبا مثل مثل جمال البنا يقرر أن الأمر الطبيعي للشريعة أن يترك ما بين الفقهاء ومحابرهم وما بين الجماهير ومشاعرهم ، وأن تكون العلاقات حرة ومتفتحة ، فهذا الوضع يدفع لازدهار الفقه ، وبالتالي الشريعة ، وتفتح آفاقها وفنونها ، كما يسمح للجماهير بحرية الأخذ برأي هذا الفقيه أو ذاك ، والانتماء إلى هذا المذهب أو غيره ، ويربط الجميع ويوحد بينهم إطار القرآن بحيث ينطلق الجميع من وازع القرآن ، وهذا الوضع ينتفي بمجرد تدخل السلطة لفرض تطبيق الشريعة ، فبعد أن كان العامل الأعظم في تفعيل الشريعة هو الإيمان ، فان هذا العامل يتحول إلى الإذعان ، وما أعظم الفرق بين حلاوة الإيمان ومرارة الإذعان ، وشيئا فشيئا تفقد الشريعة قداستها ودفئها وما يلتبس بها من انتماء إلى الله والرسول والصحابة وأجيال الفقهاء والعلماء الذين عملوا بوحي من الإيمان والإخلاص والقربى إلى الله ، وتصبح مجرد قانون تصدره الدولة وتشرف سلطاتها على تطبيقه ، فشعار تطبيق الشريعة يحتم تدوين الفقه في صورة تقنين قانوني يقلل من شأن الشريعة ووظيفتها الاجتماعية عندما يضعها في مرتبة القانون القامع ، ويعطي الدولة صلاحيات جديدة انتزعها منها مجتمعنا التاريخي فيكل إليها سلطة قامعة إضافية ، كما يتناقض مع التجربة التاريخية لأمتنا ، وهي التجربة القائمة على فكرة الجماعة إذ يشرذم المجتمع ، لأنه يخلق في النهاية نظاما قيميا جديدا ينسجم مع متطلبات الدولة القومية ذات الطابع القطري (1) .

وهذا الطرح بما يتضمنه من مغالطات جسيمة لا ينفرد به جمال البنا ، ولكن يشاركه فيه كل العلمانيين الراغبين في نبذ فكرة تطبيق الشريعة الإسلامية من أساسها ، ومحاربة كل الوسائل المساعدة على هذا التطبيق ، ومنها وسيلة التقنين .

أصل مسألة التقنين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت