إن المقصود الأصلي من العدة معرفة براءة الرحم ظاهرًا, وذلك يحصل بهذه المدة, فاكتفى بها, دفعًا للضرر عن المرأة, كما اكتفى بثلاثة قروء بالنسبة لذوات الحيض, وبثلاثة أشهر بالنسبة لغيرهنّ, مع أن التيقن من براءة الرحم لا يحصل إلا إذا انتظرنّ أكثر مدة الحمل.
فإن قيل:
فلِمَ أُمرت بالاعتداد بثلاثة أشهر, بعد مضي تسعة أشهر, مع أن معرفة براءة الرحم ظاهرًا تحصل بمضي التسعة أشهر؟.
أجيب:
بما سبقت الإجابة عنه قريبًا في مسألة المستحاضة من أن التسعة أشهر للاحتياط, والثلاثة حق الشرع.
وقد أيّد أصحاب هذا المذهب حجتهم: بأن هذا قضاء عمر رضي الله عنه قضى به بين الصحابة, ولا يعلم أن أحدًا منهم أنكر عليه ذلك (1) .
وهذا احتجاج وجيه, لكن يلاحظ عليه أن ابن مسعود ذهب إلى ما قال به أصحاب المذهب الأول, فيكون احتجاج أصحاب المذهب الثاني به على أنه مذهب جمهور الصحابة, وليس باعتباره إجماعًا سكوتيًا.
وهكذا نرى كيف سلك جمهور الصحابة والفقهاء في هذه المسألة مسلك المذهب الذي أشرت إلى ترجيحه في المستحاضة, وهو مسلك صحيح لابد منه, مبني على المصلحة ودفع الحرج, وقد فعلوا هنا من الاحتياط ما فعلوه في المستحاضة, فاحتاطوا بتسعة أشهر لمعرفة براءة الرحم, والثلاثة بعدها حق الشارع.
لكن ما ذكرته هناك ينبغي جريانه هنا:
وهو أن التسعة أشهر إنما أُمر بها احتياطًا لمعرفة براءة الرحم, ومادام لدينا من الوسائل المشروعة ما يمكننا من معرفة ذلك فلا داعي إلى إطالة مدة العدة أكثر مما قرره الشارع لها, وعليه: فإنه ينبغي في هذه الحالة أن يأمر القاضي بإجراء تحليل خاص بالحمل, فإذا ثبت وجود حمل كانت العدة بوضع الحمل, وإذا ثبت عدم وجوده كانت العدة التي قررها الشارع بالأشهر للمطلقة, وهي ثلاثة أشهر. والله تعالى أعلم.
المبحث الثاني
فحص جثة المتوفى
(1) انظر القاضي عبد الوهاب البغدادي في الاشراف, وابن قدامة في المغني: الصفحات السابقة.