اختلف الفقهاء - في حكم المعتدة بالإقراء إذا ارتفع حيضها قبل انتهاء العدة, لغير عارض من مرض ونحوه - على مذهبين:
المذهب الأول:…
تظل هذه في عدة حتى تحيض وتعتد بالإقراء, أو تبلغ سن اليأس فتعتد بثلاثة أشهر.
وهذا مروي عن ابن مسعود, وعطاء, وطاوس, والنخعي.
وإليه ذهب أبو حنيفة, والشافعي في الجديد, والظاهرية (1) .
حجة هذا المذهب:
احتج أصحاب هذا المذهب بقوله تعالى:
"واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهنّ ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن ..." (2) .
أي فعدتهن ثلاثة أشهر أيضًا.
وجه الدلالة:
أن الاعتداد بالأشهر إنما شُرع للمطلقة الآبسة أو الصغيرة التي لم تبلغ سن الحيض, والتي ارتفع حيضها ليست واحدة منهما, فلا تنقضي عدتها إلا بالاقراء, أو تبلغ سن اليأس فتعتد عدة الآبسات.
ويرد على هذا الاستدلال:
ان الآية إنما تتحدث عمن يمكن احتساب عدتها بالاقراء, والتي ارتفع حيضها لم يعد بالإمكان احتساب عدتها بذلك؛ فينبغي لذلك العدول عنها إلى البديل الشرعي وهو الأشهر, وتأخير عدتها إلى أن تبلغ سن اليأس ثم تتحول إلى الأشهر فيه حرج يأباه الشرع, على أن هذا يتعارض مع قول أبي حنيفة والشافعي - الذي سبق ذكره قريبًا - في المستحاضة إذا كانت غير مميزة: أنها تعتد بثلاثة أشهر, مع أنها غير آبسة ولا صغيرة, فهذه مثلها.
المذهب الثاني:
تنتظر هذه تسعة أشهر, فإن بان بها حمل فعدتها بوضع الحمل, وإن لم يظهر بها حمل اعتدت بعد ذلك بثلاثة أشهر.
روي ذلك عن ابن عباس, والحسن.
وإليه ذهب مالك, وأحمد, وهو قول للشافعي في القديم (3) .
وجه هذا المذهب:
(1) الشافعي, الأم: 5/195, الطحاوي, مختصر الطحاوي/218, البحر الرائق: 4/142, ابن حزم, المحلي: 10/270, ابن قدامة, المغني: 9/97.
(2) سورة الطلاق: آية 4.
(3) البيهقي, السنن الكبرى: 7/420, القاضي عبد الوهاب, الاشراف: 2/166, الياجي, المنتقى: 4/108, ابن قدامة, المغني: 9/97.