إذن فإذا أتى المستحاضة الدم الذي فيه مواصفات دم الحيض فهذا يعني أنها حائض, والحيض دليل على عدم الحمل, والمطلقة غير الحامل عدتها بالاقراء, وهذه تميز اقراءها فتعد بثلاثة أقراء.
أما التي لا تميز فهذه تواجه احتمال كونها حاملًا؛ لأن ما عندها يحتمل أن يكون مجرد نزف, وهذا لا يدل على عدم الحمل؛ لأن الحامل قد تنزف, وهذا واقع مشاهد. إذن فلابد هنا من استبعاد احتمال الحمل بمضي مدة الحمل تسعة أشهر, فإذا استبعد وجود الحمل اعتدت بثلاثة أشهر؛ لأننا لا نستطيع اعتماد الإقراء هنا, لاحتمال أن يكون الخارج مجرد نزف رحمي, وتحليل الدم لا يسعفنا في التفريق بينه وبين دم الحيض, فلم يبق أمامنا إلا التحول إلى الأشهر, وعدة المطلقة - إذا لم تكن حاملًا ولا من ذوات الحيض - ثلاثة أشهر.
فإن قيل: فلِمَ الثلاثة أشهر وقد عرفت براءة رحمها بمضي التسعة أشهر؟
أجيب: بأن الاعتداد بالاقراء أو الأشهر لا يكون إلا عند عدم الحمل, فلما ظهرت براءة الرحم بمضي الأشهر التسعة أُمرت بالاعتداد بثلاثة أشهر, فهذه الثلاثة حق الشرع؛ لأن العدة قد تجب مع التيقن من براءة الرحم, وذلك كمن علق طلاقها على وضع الحمل فإنها تطلق بوضع حملها وتلزمها العدة (1) .
إذن فالتسعة أشهر كانت احتياطًا لابد منه لمعرفة براءة الرحم, والاحتياط في مثل هذه الأمور واجب, ومن أجل هذا الاحتياط تسوغ إطالة العدة مع ما في ذلك من أضرار قد تلحق هذا الطرف أو ذاك فمادامت المرأة طوال هذه المدة تعتبر معتدة فهي ممنوعة من التزوج, وإذا كانت العدة رجعية فإن لها السكنى والنفقة, ويحق لزوجها مراجعتها, وإذا توفي أحدهما ورثه الآخر. فهذه الأمور وغيرها تحتمل ويسوغ معها إطالة العدة احتياطًا لمعرفة براءة الرحم.
وهنا يتوجه السؤال الآتي:
(1) القاضي عبد الزهاب, الاشراف: 2/122.