أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سره قول مجزز, وسروره بذلك دليل على أن القيافة علم صحيح, وإلا لما سرّ عليه الصلاة والسلام بذلك؛ فالرسول لا يسر إلا بما هو حق (1) .
ويلاحظ أن هذه الحادثة دليل واقعي على أن القائفة علم, وأن ما يصدره القائف الخبير من أحكام بالشبه أو عدمه يمكن اعتمادها والاطمئنان إليها؛ وذلك لأن هذا القائف قد حكم بوجود رابطة نسب تجمع بين هذين الشخصين النائمين - زيد وأسامة - بمجرد النظر إلى أقدامهما, لأن رؤوسهما كانت مغطاة, هذا علاوة على اختلاف ألوانهما, فإن زيدًا كان أبيض اللون بينما كان لون أسامة يميل إلى السمرة.
واحتجوا أيضًا:
بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد قضى بذلك بين الصحابة, ولم ينكر عليه ذلك أحد منهم؛ فكان إجماعًا (2) .
إذن فالراجح ما ذهب إليه الجمهور في قولهم بأن القيافة معتبرة في إثبات النسب ونفيه, فإذا حصل التنازع في طفل على الوصف الذي ذكرناه وعرض الأمر على القائف, فإذا ألحقه باحدهم ثبت نسبه له وردت دعوى الآخرين.
إذا عرفنا هذا:
فإنه قد تبين مما ذكرته سابقًا: أن كل خلية في جسم الإنسان تحتوي على نواة, وفي داخل هذه النواة يوجد الحمض النووي المكون من مجموعة من الأحماض الأمينية, تكوّن في مجموعها ما يسمى بالكروموسومات, وهي المسئولة عن نقل الصفات الوراثية. هذه الأحماض الأمينية توجد في تسلسل وترتيب معين - وهذا هو ما يعرف بالخريطة الجينية - هذه الخريطة توجد في الحمض النووي لكل خلية من خلايا جسم الإنسان, وتمتاز بأن لكل فرد من أفراد الناس الخريطة الجينية الخاصة به, وهي تختلف من فرد لآخر, ولا يمكن تكرارها حتى في التوائم؛ ومن هنا يمكن الاستدلال من خريطة الحمض النووي على ثبوتية الشخص.
وإذا علمنا:
(1) ابن حزم, المحلى: 10/149, النووي, شرح مسلم: 10/41.
(2) ابن قدامة, المغني: 6/396.