إن أُريد بذلك الظن الفاسد الذي هو إثم فهذا غير صحيح؛ لأن الشارع قد أقر القيافة كما سيأتي. وإن أُريد بذلك أنها دليل غير قاطع يحتمل الخطأ كما هو الحال بالنسبة للتخمين فهذا صحيح, لكن ما هو المانع من الأخذ بها مادامت الأحكام التي يصدرها القائف صادرة عن خبرة مما يجعلها صالحة للترجيح بين الاحتمالات المتساوية حسمًا للنزاع؟ ولذلك نظائر في الشرع يعمل بها في تقدير الحقوق والفصل بين المتنازعين. من ذلك:
خرص الثمار وهي رطبة على رؤوس الأشجار لتقدير ما يجب فيها من زكاة, فيخمن الخبراء مقدار ما على الأشجار من رطب أو عنب, ويقدرون كم سيكون مقدارها إذا جفت وصارت تمرًا أو زبيبًا, ليعلم مقدار ما يلزمه من زكاة يطالب بها بعد القطاف والجفاف؛ فهذا تخمين مقبول شرعًا, لأنه صادر عن أهل الخبرة وأقره جمهور العلماء, ومنهم مالك, والشافعي, وأحمد (1) .
ومن ذلك حسم النزاع بالقرعة بين المتخاصمين على شيء تعارضت فيه بيناتهم فتساقطت. فقد جاء في حديث مروي من عدة طرق عند البيهقي وغيره:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم بينهم وقال:"اللهم أنت تقضي بينهم, فقضى للذي خرج له السهم" (2) .
وقد روي هذا القول عن علي, وابن عمر, وابن الزبير.
وهو قول للشافعي, ورواية عن أحمد (3) .
بعد هذا فالقيافة ليست بأضعف من الخرص, وهي حتمًا أقوى من القرعة.
إذن فلا يوجد مانع من اعتبارها في النسب عندما لا يوجد غيرها, ولا يعارضها ما هو أقوى منها, لاسيما والشارع يميل إلى التيسير في إثبات النسب, رعاية للأطفال ووقاية لتماسك الأسر.
المذهب الثاني:
(1) القاضي عبد الوهاب, الاشراف: 1/172, ابن قدامة, المغني: 2/567.
(2) البيهقي, السنن الكبرى: 10/259.
(3) المصدر السابق, والشافعي, الأم: 6/261, ابن قدامة, المغني: 12/183.