أن القيافة - وما أشبهها كما سيأتي - إنما تستعمل ويكون لها اعتبار في قضايا النسب غير الثابت بطريق شرعي, ذلك لأن النسب إذا ثبت بطريق شرعي - فراش, أو إقرار أو بينة - فإنه لا يجوز التعرض له بعد ذلك أو الإخلال به. ومن هنا يشترط للعمل بها: أن لا يعارضها دليل أقوى منها, كالفراش أو البينة.
إذا تقرر ذلك أقول:
إذا ادعى أكثر من شخص نسب طفل غير ثابت النسب لأحد, وليس لأحدهما فراش, ولا بينة, أو تعارضت البينات فتساقطت فهل يحتكم إلى القائف؟ وهل يكون لحكمه أثر في إلحاق الطفل بنسب واحد من المدعين؟.
هنا اختلف الفقهاء على مذهبين:
المذهب الأول:
يرى هذا المذهب عدم الاعتماد على القيافة وعدم الحكم بها في النسب.
وبذلك قال التوري, وهو مذهب أبي حنيفة.
وحجتهم في ذلك:
أن القيافة ظن وتخمين, فالحكم بها باطل غير جائز في الشريعة (1) .
قال تعالى:"وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا" (2) .
ويجاب عن ذلك:
بأن القيافة علم لا يتحصل إلا لمن عنده استعداد معين, ويحصل لمن لديه موهبة دقة الملاحظة وتصقله الخبرة وطول المران, ولذلك لا يبرع فيه إلا قلة من الناس, وأحكام القائف الخبير يكثر فيها الصواب فحاله يشبه حال من يقص الأثر ويتبعه. وقد ورد ما يدل على إقرار الشارع للقيافة - كما سيأتي - إذن فما هو المانع من اعتمادها والحكم بموجبها عندما لا يتيسر غيرها لفض النزاع؟ فهو قرينة يصار إليها عند الحاجة ويعمل بها بشرط أن لا يعارضها ما هو أقوى منها.
أما القول بأنها ظن وتخمين, فهنا نقول:
(1) العيني, عمدة القاري: 23/264, الطحاوي, مختصر الطحاوي: 358.
(2) سورة النجم: آية: 28.