التقنين يكرس روح الاستقلال في قضائنا، وينشر ثقافة القوانين الإسلامية في العالم؛ قال الدكتور محمد عبد الجواد محمد:"قال السنهوري تحت عنوان"الشريعة الإسلامية لا تزال شريعة حية صالحة للتطبيق": هذه هي الشريعة الإسلامية، لو وطئت أكنافها، وعبدت سبلها، لكان لنا من هذا التراث الجليل ما ينفخ روح الاستقلال في فقهنا، وفي قضائنا، وفي تشريعنا، ثم لأشرفنا نطالع العالم بهذا النور الجديد، فنضيء به جانبا من جوانب الثقافة العالمية في القانون" (1) .
التقنين يحث المقننين على البحث والاجتهاد وتحري أرجح أقوال العلماء وما يحقق للناس مصالحهم، وبذا يكون التفنين أقرب لتحقيق المصلحة.
إلا إن المانعين من التفنين اعتبروه حاثا على التقليد، مستلزما للجمود على ما قننوه، والله قد ندد بالتقليد وأهله في قوله: { بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون } (الآية 22 سورة الزخرف) .
وهذا غير مسلم؛ لإن الأحكام المقننة قابلة للتعديل إذا دعت الضرورة إلى ذلك، إذ"لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان"، و"القول بعدم تعديل القوانين إذا ظهرت المصلحة في تعديلها يناقض بناء الإسلام على رعاية مصالح الناس، وصلاحيته للتطبيق في كل زمان ومكان" (2) .
تفنين الأحكام القضائية يبرز قدرة الشريعة على مواكبة الأحداث، فهو أمر يتماشى وفقا لقاعدة:"تبدل الأحكام بتبدل الزمان".
وفي تقنين الأحكام رعاية للمصلحة بارتكاب أخف المفسدتين تفاديا لأشدهما، وهذا على قول القائلين بان في التفنين مضرة الجمود على ما قنن من أحكام، إلا أن مضرة عدم إلزام القاضي بأن يقضى بقول معين قد تكون أشد من مضرة إلزامه بذلك.
وفيه تحصيل لأعلى المصلحتين بتفويت أدناهما، وارتكاب أدنى المفسدتين لتفويت أعلاهما.
(1) د. محمد عبد الجواد محمد: بحوث في الشريعة الإسلامية والقانون، تقنين الشريعة الإسلامية/26.
(2) مسيرة الفقه الإسلامي/464.