وكلما كانت الأحكام القضائية محددة ومبينة، ومعروفة للقاضي والمتقاضي كلما كان ذلك أدعى إلى تحقيق العدالة والتيسير على الناس، وأكفل لتحقيق المساواة بينهم، وطمأنة نفوسهم (1) ، خاصة وأن تلك الأحكام المقننة مأخوذة من كتاب الله - عز وجل - وما صح من سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ومراعية لقواعد المعادلة والترجيح والضرورات، وحريصة على تحقيق العدل بين الناس، و"بما أن الأحكام القضائية في أصلها سماوية ربانية، فهي أحكام عادلة مطلقة زمانا ومكانا وأشخاصا" (2) . ومثل هذه الأحكام المقننة تحد من تمايز المتقاضين أمام القانون، فالكل سواء، حتى ولو وقعت تجاوزات فستكون مفضوحة معلومة للجميع للقاضي والمتقاضي وللناس عموما.
وأما إذا كانت الأحكام المقننة جائرة مخالفة لنصوص الكتاب والسنة التي لا خلاف فيها، لم تجب الطاعة فيها للإجماع على أنه:"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".
واعترض القائلون بمنع التقنين - فيما أورده الزرقا-"بأن إعطاء هذه الصلاحية لولي الأمر يؤدي إلى إمكان أن يتصرف الحاكم بحسب هواه في تغيير الأحكام الاجتهادية وتقييدها بأوامر أو قوانين زمنية يصدرها، وقد لا يهمه موافقتها لقواعد الشريعة، وقد يكون هو جاهلا أو فاسقا لا يبالي تهديم الشريعة، فكيف تجب طاعته شرعا في هذه الأوامر؟"
وأجاب على ذلك بأن هذه النصوص الفقهية مرفوضة في إحدى حالتين:
إما أن يكون الحاكم نفسه من أهل التقوى والاجتهاد في الشريعة كما كان في الصدر الأول من العهد الإسلامي.
وإما ألا يكون عالما مجتهدا وعندئذ لا يكون لأوامره هذه الحرمة الشرعية إلا إذا صدرت بعد مشورة أهل العلم في الشريعة وموافقتهم" (3) ."
(1) محمد سلام مدكور: المدخل إلى الفقه الإسلامي/380.
(2) أ. د. محمد الزحيلي: فقه القضاء والدعوى والإثبات/27.
(3) الزرقا: المدخل الفقهي العام 1/195.