ولقد بدأ الانحراف في تصرفات الحكام المسلمين قديما ، غير أن النقض الواعي لهذه العروة لم يظهر إلا في العصر الحديث حين بلغ المسلمون قرارة الضعف وغاية التدهور ، كان الإسلام طيلة القرون السابقة أعمق في النفوس من أن يستبدل به أي منهج آخر ، وكانت الجاهلية أحقر من أن تطاوله أو تطمع في أبنائه .
غير أن الحال في العصر الحديث قد انعكس تماما فلم يبق من الإسلام ـ واقعيا ـ إلا تلك التصورات الخاطئة التي سلف الحديث عنها ، وفي الوقت نفسه كانت الجاهلي الأوربية المنتفشة تتولى قيادة الفكر البشري وتوجيه الحضارة الإنسانية ، ونتيجة لهذا الوضع المزدوج تسربت العلمانية إلى العالم الإسلامي وانتقضت تلك العروة الكبرى .
لقد سادت الشريعة الإسلامية في مصر وغيرها من أقطار العالم الإسلامي خلال أربعة عشر قرنا كانت فيها محور ذاتية الأمة وأساس وحدتها وحضارتها وسيادتها ، وبقيت كذلك ما دامت الدول الإسلامية كاملة السيادة على أرضها وعلى جميع سكانها . وعندما بدأت عصور الاضمحلال والضعف ، وبدأت هجمات الاستعمار ترسي سفنها على شواطئنا ، وتجد في ضعفنا فرصة لكي تكون لها قواعد على أرضنا تمثلت في { الامتيازات الأجنبية } التي قيدت سلطة الدولة العثمانية بمقتضى معاهدات فرضت بالخديعة تارة والقوة تارة أخرى (1) .
ومنذ دخل الاستعمار العالم الإسلامي في العصر الحديث ، وسيطر بالاحتلال على البلاد الإسلامية ، كان أول مسعاه أن يبدل هذا النظام القانون الإسلامي بالقانون الوضعي الغربي ، وقد جاءت مؤامرته هذه ـ في أول الأمر ـ تحت اسم محاولة إيجاد نظام قانون لمعاملة الأجانب في علاقاتهم بأهل البلاد (2) .
ولقد تفتق ذهن المستعمر ـ حينئذ ـ فوجد حلا لمعاملة هؤلاء الأجانب قانونيا متمثلا في إقامة
(1) لعلمانية / سفر الحوالي صـ561
(2) سموم الاستشراق والمستشرقين في العلوم الإسلامية . أ / أنور الجندي صـ102 ، ط دار الجيل 1985 .