والعلمانية الأخرى هي العلمانية الملحدة التي تبلورت في القرن التاسع عشر بعد ظهور الفلسفة المادية من مدرسة هيجل { 1770 ـ 1831 } ، ويعتبر فيور باخ أبرز مؤسسيها وهي تستهدف إلغاء الدين وليس مجرد الفصل بينه وبين الدولة (1) .
والزعم بأن العلمانية المعتدلة يمكن أن تكون محايدة تجاه الدين زعم غير صحيح لسبب بسيط ، يجعل هذه العلمانية لا يمكن أبدا أن تكون محايدة مع الدين ، لأن عزل العلمانية للدين وفصله عن حياة المجتمع وتفريغ حياة الإنسان من الدين ليس موقفا حياديا / إنه موقف ضد الدين . إنه يقوم على اتهام الدين بأنه ضرر بالحياة وخطر عليها ، فيجب إبعاده عن توجيه الحياة والتأثير فيها ، ويجب أن تبني الحياة في تشريعها وفي تعليمها وفي ثقافتها وفي إعلامها وفي تقاليدها على غير الدين ، ومثل هذا الموقف لا يعتبر حياديا ، بل هو حكم يدين الدين ويجرمه ويقض بعزلته .
كل ما يقال: ( إن هذه العلمانية أخف وطأة من العلمانية الملحدة ، فهذه لا توالي الدين كما لاتعاديه بصراحة وعنف ) (2) .
ـ أسباب نشأة العلمانية: ـ
العلمانية نبتة غربية ، نشأت وترعرعت في البيئة الغربية ، أفرزتها وأنبتتها ظروف وملابسات خاصة بالناس هناك في الغرب ، لا نظير لها عند غيرهم خصوصا المجتمعات الإسلامية ، ويمكننا الكشف عن أهم هذه العوامل التي أدت إلى نشأة العلمانية في الغرب من خلال النقاط التالية: ـ
1 ـ الدين المحرف: ـ
(1) الاتجاهات العلمانية في العالم العربي / عبد الله نعمان صـ15 .
(2) التطرف العلماني في مواجهة الإسلام . صـ 17 .