الصفحة 24 من 42

وهنا إذن: ثنائية في المجتمع الأوربي .. هنا دولة وكنيسة ، هنا مدني وديني ، هنا حياة دنيوية غير مقدسة وحياة أخرى كنسية لها قداستها ، هنا دولة لها سلطة وتريد أن تتوسع في سلطتها وهنا كنيسة لها سلطة كذلك وتريد أن تحافظ على الأقل على سلطتها في مواجهة سلطة الدولة ، وهنا حياة مدنية أو دنيوية تخضع للتغير أو للتطور وهنا حياة دينية كنسية في منأى عن التغير والتطور (1) .

يتضح مما سبق أن العلمانية نسبة إلى العالم ـ بمعنى الدنيا ـ أو العالمية ، وإن كانت نسبة على غير قياس لأنها جاءت بزيادة الألف والنون كما قالوا: نوراني وروحاني . ولكنها ليست نسبة إلى العلم على الرغم من أن المواقف المتشددة التي اتخذتها السلطات الكنسية ضد العلماء والتي بلغت حد التحريف ، كان لها تأثير كبير أو دور حاسم في نشوء العلمانية في أوربا .. والواقع أن النسبة إلى العالم ـ أو الدينا بعبارة أدق ـ جاء أو غلب من خلال المبدأ الذي صرح به أصحاب المعجم الدولي الثالث والقائل: ( بأن الدين أو الاعتبارات الدينية يجب ألا تتدخل في الحكومة ) أو من خلال ما أسموه: { السياسة اللادينية في الحكومة } ويمكن ترجمة هذا المبدأ بأنه إبعاد الكنيسة عن شئون السياسة والحكم أي عن السلطة الزمنية كما دعيت . علما بأن هذا المبدأ قد عرف في الفكر الإسلامي ـ على نطاق واسع ـ بفصل الدين عن الدولة .

وقد أسهم هذا الفصل ـ أو هذا الإبعاد ـ في تحديد معنى الدين حيث قصره الأوربيون على التوجيه الروحي للأفراد .. كما حدد عندهم معنى الدولة أو الحكومة فصارت تعني تنظيم العلاقات بين الأفراد (2) .

(1) المرجع السابق صـ 14 .

(2) القومية والعلمانية مدخل علمي . د/ عدنان زرزور صـ118 ـ 119 ، ط مؤسسة الرسالة 1992م

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت