الصفحة 15 من 42

وهذا يعني أن الحاكمية التشريعية لا تنفي أن تكون للبشر مساحة غير قليلة من التشريع أذن به الله لهم ، وإنما هي تمنع أن يكون لهم استقلال بالتشريع غير مأذون به من الله ، ذلك مثل التشريع الدين المحض ، كالتشريع في أمر العبادات .. ومثل ذلك التشريع في أمر الحلال والحرام كأن يحلوا ما حرم الله أو يحرموا ما أحل الله .. وكذلك التشريع فيما يصادم النصوص الصحيحة الصريحة كالقوانين التي تقر المنكرات ، أو تشيع الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، أو تعطل الفرائض المحتمة ، وتلغي العقوبات اللازمة ، أو تتعدى حدود الله المعلومة ..أما فيما عدا ذلك فمن حق المسلمين أن يشرعوا لأنفسهم في الشئون الدنيوية ، أعني الشئون الفنية التي تتعلق بالكيفيات والآليات والوسائل التي تتغير وتتطور باستمرار ، ولم يجئ الوحي الإلهي ليحكم فيها ، بل تركها لعقول الناس وبحوثهم ومعارفهم ، يتصرفون فيها . بما هو أنفع لهم وأوفق بتحقيق مصالحهم ودرء الشرور والمفاسد عنهم .. ومن ثم يستطيع المسلمون أن يشرعوا لأنفسهم بإذن من دينهم في مناطق واسعة من حياتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، غير مقيدين إلا بمقاصد الشريعة الكلية وقواعدها العامة . وكلها تراعي جلب المصالح ودرء المفاسد ورعاية حاجات الناس أفرادا وجماعات (1) .

ـ الحاكمية التشريعية من مقتضيات توحيد الألوهية: ـ

من مستلزمات التصور الإسلامي أن الله سبحانه هو الخالق للكون والمبدع لما فيه من كائنات ، فهو رب الناس وملك الناس وإله الناس ، وهو رب العالمين جميعا ، وأنه جل شأنه مالك الملك وحده يؤتيه من يشاء وينزعه عمن يشاء ، فهو السيد المطلق وحده ، والخلق كلهم عبيده ، وهم سواء في درجة العبودية لله ، كما أنهم سواء في نسبتهم إلى هذا الخالق العظيم .

(1) التطرف العلماني في مواجهة الإسلام . د/ القرضاوي ، صـ94ـ 95 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت