وبما أن الله هو الخالق المالك لكل ما في الكون فهو وحده المتصرف في أمور هذا الكون [ ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ] الأعراف ، آية رقم: 54 ، وهو وحده الذي يعلم ما يصلح عباده وما يفسدهم وما يسعدهم وما يشقيهم [ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ] . الملك ، آية رقم: 14 ، وما دام الأمر كذلك فالتشريع حق لله وحده يختص به دون سائر خلقه ، وهذا من دلائل توحيد الألوهية ومن مقتضيات وحدانية الخالق جل شأنه .
وقد قرر القرآن الكريم ذلك في صراحة ووضوح في أكثر من آية من آيات الذكر الحكيم ، يقول تعالى: [ أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يؤمنون ] المائدة ، آية رقم: 50 . والحكم هنا يعني الحكم التشريعي الذي هو حق الله تعالى المطلق على عباده ، يقول ابن كثير: [ أفحكم الجاهلية يبغون ] أي يبتغون ويريدون ، وعن حكم الله يعدلون .. ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه وآمن به وأيقن وعلم أن الله أحكم الحاكمين: ، وحكم الجاهلية يعني سنة الجاهلية في القضاء (1) .
وفي قوله تعالى: [ وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ] الشورى ، آية رقم: 10 ، إشارة إلى أنه مهما اختلفتم فيه من الأمور ، وهذا عامّ في جميع الأشياء فحكمه إلى الله أي هو الحاكم فيه بكتابه وسنة نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو كقوله جل شأنه: [ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ] النساء ، آية رقم: 59 .
وليس للمؤمن أن يتأبى أو يتمرد على حكم الله ، ولا أن يجادل أو ينازع في قضاء قضاه الله تعالى: [ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ] الأحزاب ، آية رقم: 36 .
(1) تفسير القرآن العظيم / الإمام ابن كثير جـ2 ، صـ67 ، ط دار المعرفة بيروت 1982م .