وكذلك فإن القاضي عندما يعلم أنه ملزم بمذهب معين ، يعمل على سبر أغواره ، وتتبع أقواله ، واستقصاء مسائله ، وكل ذلك ينهض بالقضاء ، ويخطو به نحو العدالة أكثر .
فهذا كله يؤكد أهمية الاختصاص المذهبي ، وأنه من أبرز أنواع الاختصاص
القضائي .
المطلب الثاني
التزام القاضي بالمذهب ومنهجه في القضاء
أولًا: الالتزام بالمذهب:
ويتناول ذلك مسألتين:
الأولى: الالتزام الذاتي . والثاني: الإلزام من قبل السلطان .
1-التزام القاضي ذاته بالمذهب:
في لزوم اتباع القاضي المقلِّد مذهب إمامه قولان:
الأول: وجوب ذلك ، وهو قول جمهور الفقهاء ( الحنفية والراجح عند المالكية وجمهور الشافعية ووجه عند الحنابلة ) (1) . قال الكاساني: « فأما إذا لم يكن من أهل الاجتهاد: فإن عرف أقاويل أصحابنا وحفظها على الاختلاف والاتفاق عمل بقول من يعتقد قوله حقًا على التقليد ، وإن لم يحفظ أقاويلهم عمل بفتوى أهل الفقه في بلده من أصحابنا ، وإن لم يكن في البلد إلا فقيه واحد من أصحابنا من قال يسعه أن يأخذ بقوله » (2) . فهكذا يبدو الالتزام بالمذهب واضحًا من نصوصهم ، حتى إذا لم يكن إلا فقيه واحد من أصحاب مذهب القاضي يلزمه قوله .
واستدلوا على ذلك: بأن الخروج عن دائرة المذهب تؤدي إلى اتهامه بالميل مع أحد الخصمين (3) .
(1) ر: بدائع الصنائع ( 7/5 ) ، ومواهب الجليل ( 8/33 ) ، ومغني المحتاج ( 4/378 ) ، والفروع ( 11/345 - 346 ) .
(2) بدائع الصنائع ( 7/5 ) .
(3) ر: مواهب الجليل ( 8/73 ) .