ويبدو أن المالكية مالوا إلى هذا القول ( لزوم المذهب ) استنادًا إلى أصلهم في سدّ الذرائع ، وإلا فالتزام المذهب غير واجب في ذلك ، قال الحطاب نقلًا عن ابن عبد السلام: « إن ولي مقلد لعدم المجتهد ، فهل يلزمه الاقتصار على قول إمامه أو لا يلزمه ذلك ؟ والأصل عدم اللزوم ، وهو الأقرب إلى عادة المتقدمين ، فإنهم ما كانوا يحجرون على العوام باتباع عالم واحد ، ولا يأمرون من سأل أحدهم عن مسألة أن لا يسأل غيره ، لكن الأولى عندي في حق القاضي لزوم طريقة واحدة » (1) .
وتفريعًا على هذا القول ( الالتزام بالمذهب ) إذا قضى القاضي بمذهب غيره وهو يعلم لم ينفذ حكمه ، أما لو كان ناسيًا ، فقد ذكر الكاساني أن حكمه ينفذ عند أبي حنيفة خلافًا للصاحبين ، ودليل الإمام: أن النسيان غالب خصوصًا عند تزاحم الحوادث ، فكان معذورًا. ودليلهما في عدم الصحة: أنه مقصر ؛ إذ يجب عليه حفظ مذهب نفسه ، وإذا لم يحفظ فهو مقصر ، والمقصر غير معذور (2) . وللشافعية في هذه المسألة قولان:
عدم الجواز ، وهو قول جمهورهم .
الجواز ، وهو قول الماوردي .
وقد جمع الأذرعي بين القولين فقال:
عدم الجواز: لمن لم ينته إلى رتبة الاجتهاد في مذهب إمامه ، وهو المقلد الصرف الذي لم يتأهل لنظر ولا ترجيح .
الجواز: لمن له أهلية الاجتهاد (3) .
والخلاصة أن أصحاب هذا القول يبطلون حكم القاضي المقلد إذا أصدره استنادًا لغير مذهب إمامه ؛ لأن العرف جار بأن تولية المقلد مشروطة بأن يحكم بمذهب مقلده ، هذا من جهة ، ومن جهة ثانية ، فإن المذهب بمنزلة الدليل بالنسبة إلى المجتهد ، فكما أن المجتهد لا يجوز له العدول عن الدليل ، فكذلك لا يجوز للمقلد العدول عن المذهب (4) .
(1) المرجع السابق نفسه .
(2) ر: بدائع الصنائع ( 7/5 ) ، والبحر الرائق ( 6/254 - 255 ) .
(3) ر: نهاية المحتاج ( 8/242 ) .
(4) ر: نظام القضاء في الإسلام ص ( 92 ) .