فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 28

لقد ظهر لنا من تاريخ الاختصاص المذهبي أن السلطان هو الذي يلزم بالمذهب ، فيكون هذا المذهب مصدر الأحكام الشرعية في البلاد وحده ، والقاضي الملزَم بذلك هو المقلد لا المجتهد ، إذ لا يصح إلزام المجتهد الذي قد يرى الحق خلاف ما ألزم به (1) . والمقلد لا يسعه الخروج عن دائرة مذهبه وتلمس الأحكام من المذاهب الأخرى ، بل يتعذر عليه الاهتداء إلى الراجح في مذهبه - في هذا الزمان غالبًا - فضلًا عن الراجح في مذهب غيره . فكل ذلك يؤكد وجوب التزام القاضي بمذهبه ، وعلى هذا فلا بد من تقنين مذهبه ووضع ضوابط عامة له استنادًا إلى الراجح من الأقوال ، ولا يصار إلى الخروج منه إلا بما تتعين فيه المصلحة ، كما هو الحال بالنسبة إلى تقييد الدولة العثمانية القضاء بالمذهب الحنفي ، ووضع مجلة الأحكام العدلية ، فالقاضي الحنفي مثلًا ، لا يمكنه الإحاطة بجميع الفتاوى التي أفتى بها علماء المذهب في العصور الماضية (2) . إضافة إلى ذلك فقد ندر

-في زماننا - وجود القاضي المتبحر في العلوم الشرعية في جميع الجهات ، الذي يستطيع أن يأخذ من مذهبه ومذهب غيره ، فهذا كما قالوا: صار أعزّ من الكبريت الأحمر (3) .

إضافة إلى ذلك ، فإن الاختصاص المذهبي يوحد قانون البلاد ، ويحقق انتظام

الأحكام ، كما أنه لا يتيح فرصة للقضاء بالتشهي والتخيّر من المذاهب ، لتحقيق بعض الأغراض الخاصة .

(1) المستصفى ( 2/384 ) .

(2) ولهذا جمع كل من السيوطي الشافعي ( ت: 911هـ ) وابن نجيم الحنفي ( ت: 970هـ ) كثيرًا من القواعد الفقهية والمسائل الكلية المندرج تحتها فروع الفقه في كتابيهما: ( الأشباه والنظائر ) ففتحا بذلك بابًا يسهل التوصل منه إلى الإحاطة بالمسائل ، ولكن لم يسمح الزمان بعد ذلك بعلماء يحذون حذوهما .

(3) أدب القضاء لابن أبي الدم ص ( 38 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت