ولما كان المذهب الحنفي واسعًا ، كثير المسائل ، يصعب على القاضي معرفة الراجح منه ، كان لا بد من وضع تقنينٍ فقهي يعين القضاة في إصدار الأحكام ، فكانت مجلة الأحكام العدلية ، والتي وضعت من قبل فقهاء الحنفية ، حيث رفعت اللجنة العلمية تقريرًا إلى مقام الصدر الأعظم ( عالي باشا ) عام ( 1286هـ ) تبين فيه أهمية المشروع ومدى الحاجة إليه في المجتمع والمحاكم خاصة ، كما بين التقرير الأساس الذي ألفت بموجبه المجلة ، وهو الراجح في المذهب الحنفي ، ما عدا بعض المسائل القليلة التي أخذت من غيره لمناسبتها واقع حال المسلمين ، كالتوسع في باب الشروط المقترنة بعقد البيع ، فقد روعي في ذلك مذهب الحنابلة ، ومذهب ابن شبرمة (1) .
ولقد بين تقرير اللجنة مسوّغ وضع مثل هذه المجلة ، فجاء فيه: « . . . ولا يخفى أن علم الفقه بحر لا ساحل له ، واستنباط درر المسائل اللازمة منه لحل المشكلات يتوقف على مهارة علمية وملكة كلية ، وعلى الخصوص في مذهب الحنفية ، لأنه قام فيه مجتهدون كثيرون متفاوتون في الطبقة ، ووقع فيه اختلافات كثيرة ، ومع ذلك فلم يحصل فيه تنقيح كما حصل في فقه الشافعية ، بل لم تزل مسائله شتاتًا متشعبة ، فتمييز القول الصحيح من بين تلك المسائل والأقوال المختلفة وتطبيق الحوادث عليها عسير جدًا » (2) .
فالمسوغ واضح ، وهو أن المذهب الحنفي مسائله كثيرة ومتشعبة ، ويشق على القاضي تمييز الراجح منها والحكم بموجبه ، والدولة العثمانية واسعة الامتداد ، ومذهبها المذهب الحنفي ، فوضع مثل هذا التقنين أمر لازم .
ثانيًا: مسوّغات الاختصاص المذهبي:
(1) ر: المرجع السابق ص ( 67 ) .
(2) شرح المجلة ص ( 10 ) .