قال الباجي رحمه الله تعالى:"وأما أن يستقضى في البلد الحكام والقضاة ينفرد كل واحد منهم بالنظر في ما يرفع إليه من ذلك فجائز والدليل على ذلك أن هذا إجماع الأمة ; لأنه لم يختلف في ذلك أحد من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا" (1) .
ويؤخذ من كلام جمهور الفقهاء أيضًا أن القاضي لا يجوز له أن يخالف الإمام في الاختصاص الذي أسنده إليه وإلا لم يصح قضاؤه.
قال البهوتي رحمه الله تعالى:" ( ولا يحكم ) القاضي في غير محله ( ولا يسمع بينة غير عمله وهو ) في الأصل ما يجمع بلدانا أو قرى متفرقة , كالعراق ونواحيه , والمراد هنا ( محل حكمه ) الذي ولي ليحكم فيه سواء كان يجمع بلدانا أو قرى متفرقة أو بلدا معينا أو محلا معينا من البلد كما أوضحه في الحاشية . ( فإن فعل ) أي حكم أو ولي أو سمع بينة في غير عمله ( لغي ) ذلك لأنه لم يصادف ولاية" (2) .
المطلب الثالث: اشتراط تعيين المحل أو المكان في صحة الولاية على القضاء:
يستفاد مما سبق أنه إذا عين ولي الأمر قاضيًا، وجب عليه أن يخصصه بالمكان، بأن يحكم في دائرة مخصوصة، وأمكنة معينة، هل سيحكم في كامل إقليم الدولة، أم في بعض مدنها، أم في نواح من المدينة... كل ذلك يأخذه القاضي من صيغة التولية، لكي يعلم القاضي محل ولايته، ولا يحكم في غيرها، وإلا لم تصح التولية على القضاء، بل هي شرط لصحتها، وبهذا صرح المالكية والشافعية والحنابلة وظاهر كلام الحنفية .
(1) المنتقى شرح الموطأ 5/183.
(2) كشاف القناع 6/290، مجمع الأنهر 2/738، القوانين الفقهية لابن جزي ص197، حاشية الجمل 5/336، الفروع 6/420.