والظاهر من الحديث أن ولاية القضاء عندهما كانت ولاية عامة يحكم في جميع الحقوق؛ سواء كانت لله تعالى أو للآدميين، لكنها مقيدة بجزء من اليمن، فالفرق بين الحديثين من حيث الولاية أن ولاية القضاء في الحديث الأول عامة، وفي الحديث الثاني مخصصة بالمكان.
وبعد سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اتسعت تفريعات الاختصاص القضائي زمن الخلفاء الراشدين، ومن ذلك ما قاله سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه للسائب بن يزيد رضي الله عنه:"اكفني صغار الأمور فكان يقضي في الدرهم ونحوه" (1) .
وهذا يسمى بالاختصاص النوعي كما سيأتي ذكره، لأنه اختص بقضاء الحقوق المالية دون غيرها.
وأقول: يمكن الاستدلال للاختصاص القضائي بقوله تعالى: { وداوودَ وسليمانَ إذْ يحكمانِ في الحرثِ إذْ نَفَشَتْ فيه غنمُ القومِ وكنا لحكمِهم شاهدينَ ففَهمناهَا سليمانَ وكلًا آتينا حكمًا وعلمًا} [الأنبياء آية 78_79] .
فسليمان وداود عليهما السلام آتاهما الله العلم الواسع والحكم بين العباد ولما رعت غنم القوم الزرع، قضى فيه داود عليه السلام بأن الغنم تكون لصاحب الحرث؛ نظرا إلى تفريط أصحابها فعاقبهم بهذه العقوبة.
(1) أخبار المدينة لأبي زيد النميري ج1/ص368، أخبار القضاة لمحمد بن خلف بن حيان ج1/ص106.