لأن ماعزًا هرب فقتلوه ولم يتركوه ، وروي أنه قال"ردوني إلى رسول الله فإن قومي هم غروني من نفسي وأخبروني أن رسول الله غير قاتلي ، فلم ينزعوا عنه حتى قتلوه ، ولو قبل رجوعه للزمتهم ديته (1) "
لأنه حق وجب بإقراره فلم يقبل رجوعه كسائر الحقوق (2) .
المناقشة:
إنما لم يجب ضمان ماعز على الذين قتلوه بعد هربه ؛ لأنه ليس بصريح في الرجوع .
وفارق الحد سائر الحقوق فإنها لا تدرأ بالشبهات (3) .
الترجيح:
والذي يظهر أن الحدود الخالصة لله إذا ثبتت بالإقرار وحده فإنها تسقط بالرجوع عنه ؛ لما سبق من أدله لهذا القول ؛ ولأن حقوق الله مبنية على المسامحة .
ويناقش قول المخالف:"فإن الحد يلزمه بإقراره فمن ادعى سقوطه برجوعه فقد ادعى ما لا برهان له به"بأن المقر بالحد مؤاخذ بإقراره ما لم يرجع ، فإذا رجع سقط عنه الحد ؛ لما سبق من أدلة على سقوطه بالرجوع ، أما بقية أدلة المخالف فقد تقدمت مناقشتها ، والله أعلم .
ثانيا: أثر الرجوع عن الإقرار في قانون الإثبات
ذهب قانون الإثبات السوداني لسنة 1994 م إلى عدم صحة الرجوع عن الإقرار في المعاملات إلا لخطأ في الوقائع يثبته المقر ، بينما جعل الرجوع عن الإقرار بالحدود شبهة يدرأ بها الحد عن الجاني المقر ، ففي المادة (22) :
"لا يصح في المعاملات الرجوع عن الإقرار إلا لخطأ في الوقائع على أن يثبت المقر ذلك"
يعتبر الرجوع عن الإقرار في جرائم الحدود شبهة تجعل الإقرار بينة غير قاطعة" (4) "
ثم بيّن القانون أن أثر رجوع المقر عن إقراره في جرائم الحدود يعد شبهة دارئة للحد عنه ، وقد جاء هذا الحكم في المادة (65) ونصها:
"تدرأ الحدود بالشبهات"
يعد من الشبهات الرجوع عن الإقرار ، واختلاف الشهود ، ورجوع الشاهد عن شهادته
يدرأ الحد عن الزوجة في الملاعنة حلفها" (5) "
وبتأمل هذه المواد يلاحظ ما يلي:
(1) المغني 9/63
(2) المغني 9/63
(3) المصدر السابق
(4) ص 12
(5) ص 21