أما"ادرؤوا الحدود بالشبهات"فما جاء عن النبي قط من طريق فيها خير ، ولا نعلمه أيضا جاء عنه عليه السلام أيضا لا مسندًا ، ولا مرسلا، وإنما هو قول روي عن ابن مسعود وعمر فقط ، ولو صح لكانوا أو مخالف له ؛ لأن الحنفيين والمالكيين لا نعلم أحدًا أشد إقامة للحدود بالشبهات منهم ، فالمالكيون يحدون في الزنا بالرجم والجلد بالحبل فقط - وهي منكرة - وقد تستكره وتوطأ بنكاح صحيح لم يشتهر ، أو هي في غير عقلها ، ويقتلون بدعوى المريض أن فلانًا قتله ، وفلان منكر ولا بينة عليه ، ويحدون في الخمر بالرائحة ، وقد تكون رائحة تفاح أو كمثرى شتوي ، ويقطعون في السرقة من يقول: صاحب المنزل بعثني في هذا الشيء ، وصاحب المنزل مقر له بذلك ، ويحدون في القذف بالتعريض ، وهذا كله هو إقامة للحدود بالشبهات ، وأما الحنفيون فإنهم يقطعون من دخل مع آخر في منزل إنسان للسرقة فلم يتول أخذ شيء ولا إخراجه ، وإنما سرق الذي دخل فيه فقط فيقطعونهما جميعًا في كثير لهم من مثل هذا . فمن أعجب شأنًا ممن يحتج بقول قائل دون رسول الله ثم هو أول مخالف لما احتج به من ذلك" (1) ."
الأدلة على أن الحدود لا تسقط بالرجوع عن الإقرار:
عن أنس - رضي الله عنه - أن جارية وجدت قد رض رأسها بين حجرين ، فقيل لها: من فعل بك هذا ؟ أفلان ؟ أفلان ؟ حتى سمي اليهودي فأومت برأسها ، فأخذ اليهودي فاعترف فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرض رأسه بالحجارة .
في حديث العسيف أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنيسا الأسلمي أن يأتي المرأة فيرجمها إن اعترفت ، فاعترفت فرجمها . فقتل - عليه السلام - بالإقرار ورجم به ، فإن الحد يلزمه بإقراره فمن ادعى سقوطه برجوعه فقد ادعى ما لا برهان له به (2) .
(1) المصدر السابق 9/126- 127
(2) المصدر السابق 9/125