لم تترك الشريعة كلّ أمرٍ إلاّ وبينت الحكم فيه، لذا فإنّها أقرت بعض القيم والأعراف التي كانت سائدة في الجاهلية لأنّها لا تتنافى مع مقاصد الشريعة وقواعدها، فالفضائل الإنسانية والأخلاقية هي التي جاءت الشريعة لإكمالها، فما كان موافقا لها من قيم وعادات وتقاليد أقرتها الشريعة وأدخلتها في أصولها، كالقسامة مثلًا والتي كانت في الجاهلية من وسائل تحقيق التكامل الاجتماعي في منع جريمة القتل، فأقرها رسول الله- صلى الله عليه سلم- على ما كانت علية وقضى بها بين أناس من الأنصار ادعوا القتل على يهود خيبر، كما اقر -صلى الله عليه وسلم- بعض قضايا النكاح التي كانت بخطبة وصداق وولي، وما خالف ذلك نهت عنها، كالأنكحة الفاسدة مثل الاستبضاع (1) والمقت، وهما من عادات الجاهلية، فالمقت هو: أن يتزوج الرجل زوجة أبيه بعد وفاته فجاء الإسلام وأبطل هذه العادة التي كانت سائدة وحرمها وزيادة في ذلك فقد نفر منها , قال- تعالى-: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف أنّه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا) (2) ، وفي آية أخرى قال- تعالى-: (ولا تقربوا الزنا أنّه كان فاحشة وساء سبيلا) (3) , ومن المقارنة بين النصين يبدو أنّ القرآن الكريم أراد أَنٌ يرسم صورة بشعة لهذا الإثم _وهو الزواج بزوجة الأب_ بقوله (ومقتا) , لأن الإقلاع ؛عن العادة يحتاج إلى علاج استئصالي وشامل للداء, إذ الزنا تأباه النفوس بالفطرة في حين أنه إذا ألفه الإنسان يحتاج إلى جهد لكي يقلع عنه.
(1) 5- ومؤداه أن يدفع الرجل بزوجته إلى أحد الأشخاص المشهورين أو المعروفين لتحمل منه ليكون المولود مطابقًا لصفات الرجل
(2) 1- سورة النساء آية 22 .
(3) 2-سورة الإسراء آية 32