وإن هذا التكوين لتشتد الحاجة إليه أكثر كلما حدث تغير جذري في المحيط بالقاضي، وظهر من المستجدات -نتيجة ما ذكر- ما يقتضي بذل الجهود ومضاعفتها للتناغم معه وفق ما يقتضيه التأصيل ومراعاة الزمان والمكان والإنسان، وهذا ما يكرس -بالتالي- مبدأ:"صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان".
ومن المعلوم أن أي مرجعية لا يمكنها الإحاطة بكل الأحكام للنوازل المستجدة مهما بلغت من الدقة والصياغة والمراعاة، وهذا ما يبدو عند وضعها على محك التطبيق العملي الذي يفرز -لا محالة- إشكاليات تحتاج تارة إلى تفسير النص، وأخرى إلى استنباط حكم في غيابه ، مما يكون معه القاضي أحوج إلى إسعافه وإعانته، ويبدو أن لا يوجد أفيد ولا أغنى لتنويره وصقل مواهبه مما ذكر.
فهذا التكوين هو الذي يوسع المدارك العلمية للقضاة ويشحذ مهارتهم الفنية، ويقوي صناعتهم القضائية، فيرتقي بهم إلى مصاف القضاة الأكفاء ويؤهلهم -بالتالي- إلى الاجتهاد القضائي.
سادسا- الانفتاح على القضاء الأجنبي والاستئناس به ما أمكن:
إن النهوض بالاجتهاد القضائي يقتضي ألا يقتصر على الاجتهادات القضائية المحلية -وإن كانت تعتبر ذخيرة كافية للاستئناس بها في هذا النهوض- وإنما لابد -لإعطاء النهوض شحنة قوية وقوة أكثر- من الانفتاح على القضاء الأجنبي لتوسيع فضاء البحث والمعرفة في القضايا المماثلة والاستئناس به فيها مادامت الغاية هي تحقيق العدالة، طالما أن ذلك يحقق المصلحة ويدرأ المفسدة، ولا يتعارض مع مقاصد الشريعة الإسلامية ومصادرها.