الصفحة 13 من 21

وفي التاريخ الإسلامي شواهد وحوادث أكثر من أن تحصى، وكلها تدل على استقلال القضاء في صدر الإسلام وعصور التقدم والازدهار.

وقد جاءت الدساتير الحديثة في البلاد العربية تؤكد جميعها استقلال القضاء واحترامه، وأنه لا سلطان على القاضي إلا لضميره والقانون، لكون طبيعة العمل القضائي تستلزم أن يكون ضمير القاضي حرا، وهو وحده الذي يسير القاضي في طريق العدالة والحق، دون أي مؤثر خارجي" (1) ."

لذا فمن أسباب النهوض بالاجتهاد القضائي توفير هذا الاستقلال بشكل يوفر تهيئ الجو المناسب للقاضي المتمثل في حرية الفكر، وحرية البحث والاجتهاد، والحيلولة دون التأثير عليه من جميع الجوانب والجهات، ودون محاسبته على آرائه ولو كانت خاطئة، مادام لم يصل الخطأ إلى درجة الخطأ المهني الجسيم.

ثالثا- الاستئناس بالاجتهادات القضائية السابقة:

من المعلوم أن الاجتهادات القضائية، أو السوابق القضائية، عالجت عدة قضايا في دنيا الناس، وكانت ذخيرة مددت أطراف الفقه، ووسعت مجاله في كل مناحي الحياة، حيث بعثت فيه الحياة بالتطبيق.

فهذه الاجتهادات القضائية تستهوي أن ينسج على منوالها في القضايا المماثلة، وخاصة إذا كانت صادرة عن محكمة أعلى درجة، ذلك أن القاضي -حينما يقارن الواقعة التي ينظر فيها مع الواقعة التي صدر فيها عمل قضائي فيجدها متشابهة ودونما عنصر جديد- فإنه يستأنس به ويصدر حكمه مماثلا له، لاقتناعه به المستمد من كون فقه العمل القضائي صيغ صياغة وامتزج بحياة الناس، وارتقى على الفقه النظري الذي يحتاج إلى البحث ومقابلة الأقوال والترجيح بينها مع التخريج والاستنباط وهو أمر يقتضي مجهودا ليس بالهين. وفي حالة عدم اقتناعه بالعمل القضائي السابق، يمكنه أن يصدر حكما جديدا يجتهد فيه، وفق الضوابط المرعية والمعطيات المتوفرة لديه في النازلة.

(1) - ("القضاء والقضاة"تأليف محمد شهر أرسلان، حلب - ص: 65) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت